عماد الدين خليل

117

دراسة في السيرة

[ 4 ] ولن نغادر حركة الهجرة قبل أن نستمد منها تعاليم أخرى قد تعيننا على فهم وتفسير تاريخ البشرية عامة وتاريخنا الإسلامي على وجه الخصوص . . إن أي حدث تاريخي - كما يتضح من خطوة الهجرة - إنما يجيء تعبيرا عن إرادة اللّه التي تصوغه من خلال إرادة الإنسان ، أو مباشرة ، عن طريق اتصالها بالزمن والتراب ، ولا يمكن دراسة تاريخ الكون والطبيعة ، وتاريخ البشرية والأحياء إلا من هذا المنطلق . إن الفعل الإلهي يتخذ أشكالا ثلاثة لخلق الحدث وصياغته ، أولها مباشرة الفعل التاريخي ( كما حدث في تجربة الهجرة ، في تلك اللحظات التي كان الرسول يجابه فيها موقفا يتعدى حدود قدراته وإرادته وتخطيطه ) ، والشكل الثاني يتم عن طريق ما يمكن تسميته بالسببية التاريخية ، أي تهيئة الأسباب لتوجيه الأحداث هذه الوجهة أو تلك . . وقد تكون هذه الأسباب مادية طبيعية أو حيوية إنسانية ، وقد تجيء على شكل مجموعة من السنن التي تنظم حركة الكون والحياة والإنسان ، والتي تفرض حتمية قانونية على بعض أحداث التاريخ ( وقد رأينا في تجربة الهجرة كيف هيّأ اللّه سبحانه الأسباب لأن تكون يثرب الأرضية التي تقوم عليها دولة الإسلام ، ولأن يكون أبناؤها الطّاقات البشرية التي تنصر هذه الدولة وتحميها ريثما يتم البناء ) . أما الشكل الثالث للفعل الإلهي فيجيء عن طريق الحرية الإنسانية ذاتها ، والتي هي في مداها البعيد جزء من إرادة اللّه في خلق الأفعال والأحداث . لقد منح اللّه الحرية للإنسان ، ابتداء ، لكي يصنع تاريخه الفردي والجماعي ، ولكي يشكل مصيره فردا وجماعة ، اعتمادا على ما ركب في وجوده من قوى العقل والإرادة والانفعال والحسّ والحركة ( وهذا يبدو في تجربة الهجرة من خلال تلك الخطط الاجتهادية التي وضعها الرسول صلى اللّه عليه وسلم والتي قدمت لحركته صوب إقامة الدولة ، ضمانات حاسمة في طريق النصر ) . والإنسان بدوره ، عندما يستخدم حريته لصناعة الحدث وتوجيه المصير إنما يعتمد على مقدمات لا يمكنه بحال الاستغناء عنها ؛ الزمن ، التراب ، ثم التعاليم والقيم والأعراف والتقاليد ، وضعية كانت أو دينية . . وها هو الرسول في هجرته ينسّق خطواته صوب هدفه ، مستخدما هذه العناصر الثلاث ، متخذا منها عجينته في صياغة الحركة وضمان الأهداف . إن معظم مذاهب التفسير التاريخي ، وضعية كانت أو دينية ، قدمت معطياتها