عماد الدين خليل

11

دراسة في السيرة

استغربه النقدة وأشاروا إلى نشوزه ، تعمدوا ذلك لأن هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشك . ومهما قالوا في نسبة التاريخ الصحيح في سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فإن سيرة الرسول هي أوضح وأطول سيرة نعرفها بين سير جميع الرسل والأنبياء . . والذين يؤاخذون المستشرقين على سلوكهم هذا المسلك من النقد يؤاخذون كذلك من يحاول من المسلمين كتابة التاريخ متأثرا بعاطفته وهواه . فهم لا يريدون توجيه اللوم إلى المستشرقين وحدهم لتأثرهم بعاطفتهم ثم يتركون من يركب هذا المركب من الشرقيين دون لوم ولا تعنيف » « 1 » . فالمنهج العلمي هو المنهج العلمي ، والخروج عنه خروج عن العلم الصحيح سواء مارسه رجل في أقصى الغرب أم في أقصى الشرق ، وسواء كان وراءه إنسان يتعبد في كنيسة أم يصلّي في مسجد . . والرسول صلى اللّه عليه وسلم نفسه يقول ( من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) . . ولم يحدد صلى اللّه عليه وسلم هوية الكاذبين وأنتما آتهم الدينية والجغرافية . ويحدثنا الدكتور ( صالح أحمد العلي ) كيف أن بداية الحركة الاستشراقية في مواقفها الظنية والعاطفية من حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، كانت قد جانفت العلم كثيرا ، ثم بدأت تعتدل شيئا فشيئا ، « لقد تناول المستشرقون الغربيون حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما تناولوا من الأبحاث عن التاريخ الإسلامي . ولا شك أن التعصب والتحامل كانا يطغيان على كتابات المستشرقين القدامى نظرا لتأثرهم بروح التعصب الديني الذي كان مسيطرا ومتبلورا بتأثير الحروب الصليبية ، ونظرا لضعف معرفتهم باللغة العربية ، وقلة المصادر المتوفرة لديهم . غير أنه لم يخل الغرب منذ أوائل العصور الحديثة من مفكرين معتدلين امتدحوا الإسلام « 2 » ولكن منذ القرن التاسع عشر بدأ الاهتمام بدراسة المخطوطات العربية وطبعها ، وأخذ المستشرقون يدرسون تاريخ الشرق لذاته متّبعين الطريقة العلمية التي كانت قد قطعت شوطا كبيرا من التقدم في الغرب . ومع أن فريقا منهم لم يتقن كل ذلك ، إلا أن عددا غير قليل كان يتميّز بسعة الاطلاع ، وبعد النظر ، وعمق التفكير ، مما ساعدهم على إنتاج مباحث تستثير التفكير والتقدير ، رغم أنه لا يمكن القول بأن أحكامهم نهائية » « 3 » .

--> ( 1 ) تاريخ 1 / 9 - 11 . ( 2 ) انظر عنهم نور اندريه : محمد ص 243 - 247 . ( 3 ) محاضرات في تاريخ العرب 1 / 255 - 256 .