محمد ابو زهره

1085

خاتم النبيين ( ص )

ولا نحسب أن ذلك يصلح تعليلا ، أو حكمة لتولى أسامة إمرة الشيخين ، وقد كان يمكن أن يولى أحدهما الجيش ، والآخر يعاونه ، فإن ذلك قد يتحقق فيه ما فرضوه مقصدا للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، والحق أن اختيار النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لأسامة يمكن أن تتعرف حكمته بغير ذلك . فأبوه زيد بن حارثة - كان القائد الأول للمسلمين الذي كان يحمل الراية ، وقد قتله الرومان ، فكان من حكمة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يمكنه من قتلة أبيه ، فيكون أكثر حمية من غيره ، وأشد حماسة ، وأيضا فإن أسامة كان شابا ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وقد توقع الموت عزم أن يولى الشباب . وأن زيدا لم يكن قرشيا ، بل كان أبوه من الموالى أعتقه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتبناه ، حتى ألغى التبني بحكم القرآن الكريم من بعد الهجرة ، وإن تعيينه وهو بهذه الحال ، بيان لأن السيادة لا تكون دائما للقرشيين ، وتوكيدا لهذا المعنى السامي جعل شيخين من شيوخ قريش والمسلمين في إمرته وكانت لهما مكانتهما في قريش جاهلية وإسلاما ، فكان جعله أميرا عليهما منعا للسيطرة القرشية ، ومنعا للأرستقراطية الإسلامية . وإن هذه الأمور تلمس لحكمة فعل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليست تعليلا دقيقا ولقد كان هذا البعث آخر سرية أرسلها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وكأنها كانت إشارة إلى أن يتجه المسلمون بالدعوة الإسلامية إلى خارج الجزيرة العربية ، ولقد شدد عليه الصلاة والسلام في تنفيذ هذه السرية ، شدد فيها وهو حي وشدد في التوصية بتنفيذها إذا مات ولكن لم تنفذ إلا بعد مماته . وتخلف عنها الشيخان أبو بكر وعمر ، فأما أبو بكر ، فقد اختبره اللّه بالخلافة ، وارتداد الأعراب ، وكان لا بد أن يبقى ليحمى المدينة المنورة ، وليحمى العقيدة ، وليحمل المرتدين على التوبة . وأما عمر فلأنه كالوزير لأبى بكر ، استأذن أسامة في أن يبقى بجواره في هذه الشديدة لتكون قوة المسلمين المؤمنين متضافرة ، في دفع هذا البلاء والشديدة شديدة ، والبلاء بلاء ، فقد اجتمع أبو بكر وعمر وعلى والزبير وطلحة ، وعبيدة وعبد الرحمن بن عوف ليصدوا الردة ، ويتحقق قول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ،