محمد ابو زهره
1070
خاتم النبيين ( ص )
يصيب أرضا تحفظ الماء ولا تنتفع به ، ولكنها تكون موردا لطالبه ، وكان يصيب أرضا مجدبة لا تحفظه ليكون مصدر سقي ورعي ، ولا تنتفع به . ولقد كان الناس بعد أن علموا الإسلام علي هذه الأنواع الثلاثة ، فكان منهم الذين آمنوا وأخلصوا دينهم للّه تعالي ، وأولئك الذين كانوا في المدينة المنورة ، وبعض مدائن البلاد العربية ، ورجال كانوا في البادية . ومنهم من علموا الإسلام وحفظوه ، ولكن لم يعملوا به ، وأطاعوا ، ولكن لم تذعن قلوبهم ، ومنهم الذين مر عليهم الإسلام فعرفوا أن هناك دينا يحارب الوثنية ، ويدعو إلي الوحدانية ، وإحياء ديانة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ولكن التدين لم يكن موضع اهتمامهم ، فمر عليهم علم الإسلام كما يمر الماء في الميزاب يتحدر ولا يبقي منه شئ ، وأكثر هؤلاء كان في أعراب البادية ، ولهذا قال اللّه تعالي : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ( التوبة ) ومهما تكن حال الذين علموا الإسلام ، ووصلتهم الدعوة الإسلامية كاملة ، فإن التبليغ قد تم وكمل العلم . وما علي النبي صلى اللّه تعالي عليه وسلم أن يدخل الهداية في القلوب ، ولكن عليه أن يبلغ ، وينذر ويبشر كما قال تعالي : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ إن عليه أن يبين المورد العذب وعلي الناس أن يردوه ، فمن ورده استقي ، ومن لم يرده شقي ، وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، أكمل رسالته في أمرين : أولهما : أن الشريعة نزلت عليه كاملة ، فأصولها كلها قد نزلت عليه ، وعلمها أصحابه ليحملوا العبء كاملا من بعده ، فبين أحكام العبادات ، والزواجر الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في معاملات بين الناس وعلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها ، وأحكام الحروب الفاضلة ، وغير ذلك مما يسير بالإنسانية في طريق السلام والكمال . وثانيهما : أبلغ الدعوة كاملة لقومه العرب ، ليكونوا المبلغين للناس كافة ، أو حماة هذا التبليغ ، ويتولي علماؤهم الدعوة ، ويتولي سائرهم حماية هذه الدعوة ، واللّه بكل شئ عليم ، وإنه لم يبق بعد الكمال إلا الوداع .