محمد ابو زهره

1066

خاتم النبيين ( ص )

انتشار الدعوة الإسلامية 707 - ابتدأ نور الإسلام في قلوب تقبلت حقيقته ، كما تتقبل الأرض الطيبة النقية البذر الصالح ، والماء الذي يسقى ويغذي ، وكما يتقبل الأحياء ضياء الشمس ، فتهتدي بها في الدجنة الحالكة ، فتقبله الضعفاء لأنهم وجدوا فيه المعاذ والملجأ والنور والبصر ، والهداية إلي الحق في وسط الظلمات المتكاثفة عليهم ، والظلم المرهق وتبعوه طائعين ، راضين . وإنه إذا كان الفقر قد أرهقهم فيه ظلم الظالمين ، فقد أعطاهم قوة احتمال للعذاب والأذي الذي نزل بهم ممن أظلمت نفوسهم ، وختم علي قلوبهم ، ولعل اللّه سبحانه وتعالي يختار المؤمنين الأولين لكل نبي من هؤلاء الفقراء والعبيد ، لأنهم هم الذين لقوا الصدمة الأولي فيما نالوا من ألم الفقر في حياتهم يتحملون ألم الأذي ، ويكونون نواة الاستجابة ، وكذلك كان الحواريون لعيسي عليه السلام ، فلم يكونوا من الأقوياء الأشراف ، بل كانوا من الصيادين والعشارين ، وغيرهم من الضعفاء . ولقد كان الأقوياء الذين دخلوا في الإسلام ابتداء عددا قليلا ، كأبي بكر وعثمان وحمزة بن عبد المطلب ثم عمر بن الخطاب ، وأبي عبيدة عامر بن الجراح ، وغيرهم في عدد قليل كانوا يداوون ندوب النفوس الفقيرة لتصبر وتصابر ، وليكونوا قوة نسبية هادية . والنبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم يؤذي في نفسه ويتطامن ليكون الهادي الرشيد المرشد ، وليكون النذير العريان ، كما قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام ، فلا سيطرة تفرض الدين والرأي ، كما قال تعالي : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( الغاشية ) حتى إذا اشتد الطغيان ولم يعد في قوس الصبر منزع ، وسمع مقالة اللّه تعالى لنوح : لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ استيأس من إيمان أهله اتجه إلي القبائل في موسم الحج ، يعرض عليها دعوة الإسلام ، وأن ينصروه وأن يحموا دعوته من قومه ، فاستعد لإجابته من استعد ونفر منه من نفر ، ولكن قد بلغت دعوته القبائل كلها أو جلها ، ما بين منكر جاف ، وما بين مؤات مؤتلف راض غير مختلف ، والذين اختلفوا كان السبب الأكبر اختلاف قومه عليه ، فكانوا ينتظرون ولا يعادون استقلالا ، ولكن ربما يعادون تبعا وتقليدا لقريش أقوي قبائل العرب ، وأشدها نفوذا وسلطانا . فما سوغت لغيرهم من الذين يتبعونهم أن يخالفوهم ، ولكن اللّه تعالي هدي أهل يثرب ، فامنوا وبايعوه علي النصرة والإيواء ، وفتحوا الصدور للضعفاء وآووا ونصروا .