محمد ابو زهره
1021
خاتم النبيين ( ص )
وثانيها : الوفد الذي حضر مع زياد وعدده خمسة عشر رجلا ، قد استضافهم سعد بن عبادة ، وأولئك بايعوا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم على الإسلام ، وأن ينشروه في قومهم . وثالثها : وفد الجماعة الذين جاؤوا إلي النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم والتقوا به في حجة الوداع ، حيث يودع رسول اللّه أمته ، وقد أودعها أمانته ، وحملها رسالته . ولقد صحب زياد بن الحارث الصدائي رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم في بعض غدواته وروحاته ، ورأي من الخوارق الحسية والمادية التي جرت على يديه ما زاده إيمانا . ويروى أن الرسول صلي اللّه تعالي عليه وسلم سأل زيادا في سيره في الصحراء : أمعك ماء يا أخا صداء ؟ قال معي شئ في إداوة ، قال عليه الصلاة والسلام هاته . فجاء به . ويقول زياد : صببت ما في الإداوة . فجعل أصحابه يتلاحقون ثم وضع كفه علي الإناء ، فرأيت بين كل إصبعين من أصابعه عينا تفور ، ثم توضأ رسول اللّه صلى اللّه تعالي عليه وسلم ، وأذن للصلاة ، أذن لها زياد وأقامها ؛ وأراد بلال أن يقيمها ، فقال النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم : من أذن للصلاة يقيمها . ولقد سأل زياد بن الحارث أن يوليه عليه الصلاة والسلام إمرة قومه فولاه ، لأنه وجده كفئا لذلك إذ كان مطاعا في قومه ، كما وصفه النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم ، ولأنه كان داعية الإسلام فيهم فكان من الخير للإسلام ولهم أن يتولي هو ولايتهم ، ولأنه لم يرد الولاية لذاتها ، ليكون له سيطرة وسلطان ، بل أراد الإمرة علي قومه لغاية رأى النبي صلى اللّه تعالي عليه وسلم تحققها ، وذلك جائز ، ولا يعارض قول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم « وإنا لن نولي علي عملنا من أراده » ، لأن نص الحديث يمنع الولاية ممن أرادها للسلطان والسيطرة لا للعمل ، وإقامة الحق . ولكن زيادا لم يستبق الولاية ، بل استقالها وأعطي النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم كتابي الإمارة ، وولاية الصدقات . وذلك لأن سائلا شكا إلي النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم أن واليه طغي عليهم ، ويقول إن عاملنا أخذنا بذحول الجاهلية أو بثاراتها ، ويفهم من القصة أنه عزله ، وقال : لا خير في الإمارة لرجل مسلم . سأل رجل النبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم أن يعطيه من الصدقة فقال عليه الصلاة والسلام « إن اللّه لم يكلها إلي ملك مقرب ، ولا لنبي مرسل حتى جزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت جزآ منها أعطيتكها ، وإن كنت غنيا ، فإنما هي صداع في الرأس وداء في القلب » . فهم زياد بن الحارث من هذا أن الولاية لا تأتي بخير للمسلم ، بل هي ابتلاء له ، فاستقال منهما ، وقال للنبي صلي اللّه تعالي عليه وسلم : « يا رسول اللّه هذان كتابان ( كتاب الإمارة ، وولاية الصدقات )