محمد ابو زهره
1002
خاتم النبيين ( ص )
أما النصارى فإنهم لم يكونوا في حرب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولم يثيروا عليه أحدا ، إلا ما كان من الروم ، أما النصارى العرب ، وخصوصا من كانوا في الجنوب ، فكانوا على مودة نسبية أو أقرب إلى المودة ، ولذلك قال اللّه تعالى في نصارى العرب الذين كانوا يوالون المسلمين : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً ، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( المائدة : 82 ) هذا وصف عام لوفد نجران الذي سنتحدث عنه ، وهناك سبب خاص حركهم للمجيء ، وهو كتاب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام ، أو دفع الجزية ، أو القتال ، وذلك نص كتاب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة اللّه ، من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية اللّه تعالى من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام » . أرسل الكتاب إلى أسقفهم ، فلما قرأه ذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من آل همذان اسمه شرحبيل بن وداعة وكان من همذان وكان مستشار الأسقف إذا حدثت معضلة . فلما قرأ الكتاب قال الأسقف : ما رأيك يا أبا مريم ، فقال : قد علمت ما وعد اللّه إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة ، فما يؤمن بأن يكون هذا هو الرجل ليس في النبوة رأي ، لو كان من أمر الدنيا أشرت عليك فيه برأي وجهدت لك فيه ، فنحاه ، واستشار غيره وتعدد المستشارون ، وكلهم أجاب بمثل جوابه فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة ، أمر الأسقف بالناقوس فضرب ، ورفعت المسوح في الوادي ، أعلاه وأسفله فاجتمع حين ضرب بالناقوس بطول الوادي مسيرة الراكب السريع يوما . وسألهم الرأي بعد أن قرأ عليهم الكتاب من رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . فاجتمعوا على إرسال وفد منهم يأتيهم بخبر هذا الرجل ، ولما وصلوا المدينة المنورة خلعوا ثياب السفر ، ولبسوا حللا يجرونها من الحبرة ، وخواتيم الذهب ، ثم دخلوا على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتصدوا له ليلا ونهارا فلم يرد عليهم ، وعليهم تلك الحلل والخواتيم فذهبوا إلى عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما إذ كانا يتجران ويخرجان العير لهما في الجاهلية . ولما التقوا بهما قالوا لهما : إن نبيكما كتب إلينا كتابا فأقبلنا مجيبين ، فسلمنا عليه ، فلم يرد سلامنا ، وتصدينا لكلامه ، فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي منكما ، أنعود .