محمد ابو زهره
1003
خاتم النبيين ( ص )
اتجه عثمان وابن عوف إلى علي بن أبي طالب يسألانه : ما رأيك يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ، فقال على رضى اللّه عنه . أرى أن يخلعوا حللهم ، وخواتيمهم ، ويلبسوا ثياب سفرهم ، ففعل الوفد ذلك ، ثم جاؤوا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فسلموا عليه ، فرد سلامهم . وظهر من هذا أن السبب في أنه لم يرد سلامهم أنهم جاؤوا مختالين مفاخرين وأنهم يلبسون لباسا محرمة على الرجال . وليعلمهم أنهم ليسوا داخلين على ملك في أبهة ، بل على نبي يعيش عيشة الفقراء ، وأن شرفه ليس من مال وثياب ، ولكن من رسالة الرحمن الرحيم ، وفوق ذلك أن عدم رده يخفف من خيلائهم ، ويجعلهم يعيشون كما يعيش . وبعد أن رد سلامهم بش في وجوههم كشأنه عند لقاء الناس ، ودخلوا عليه مسجده بعد العصر ، وقد صلوا متجهين إلى الشرق ، فأراد بعض المسلمين منعهم ، ولكن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم السمح الكريم قال للمانعين : دعوهم ، فصلوا مطمئنين . كان الوفد ستين راكبا منهم أربعة وعشرون من كبرائهم ، فيهم ثلاثة لهم فضل رياسة أو شبه رياسة أولهم العاقب ، وهو أميرهم ، وذو الرأي فيهم ، وصاحب مشورتهم لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح . وثانيهم : السيد ، وهو ممثلهم ، وصاحب رحلهم ومجتمعهم . وثالثهم : أبو حارثة بن علقمة أخو بنى بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم ، وصاحب مدراسهم وإن أبا حارثة هذا قد صار ذا شرف فيهم ، ودرس كتبهم وملوك الروم من النصارى قد أعلوه فيهم ، أمدوه بالمال ، وجعلوا له خدما ، وبنوا له الكنائس ، وكرموه لما بلغهم من علمه واجتهاده ، ولعل ذلك ليجعلوا نجران تحت نفوذهم مع بعدهم . وكان أبو حارثة يعظم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في جهره وغيبه ، يروى أنه عندما اتجه أبو حارثة إلى الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان يركب بغلة ، وبجواره أخ له يركب مثلها ، فعثرت بغلة أبى حارثة فقال أخوه : تعس الأبعد ، يريد رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . فقال له أبو حارثة : تعست أنت ، إنه واللّه النبي الأمى الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه : فما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا . قال أبو حارثة : ما صنع بنا هؤلاء القوم ( الرومان ) شرفونا ومولونا وأكرمونا ، وقد أبوا إلا خلافه ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى . فأضمر عليها أخوه واسمه كرز بن علقمة ، حتى أسلم بعد ذلك .