محمد ابو زهره

998

خاتم النبيين ( ص )

ولقد حسن إسلام الطفيل وقوى إيمانه ، وإن الابتداء يدل على قوة الانتهاء ، فقد ابتدأ طالبا للحق مع الموانع والسدود التي وضعتها قريش في سبيل إيمانه فاجتازها ، ووصل الإيمان إلى قلبه ، وكان الداعية في قومه ، حتى هداهم إلى سداد . وإن قصة إيمان ذلك الرجل تدل على قوة نفسه وعقله وخلقه ، وأن المنع لم يجعله يمتنع بل جعله يبحث ويفكر ، فإذا كانوا قد زينوا إليه ألا يسمع من النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقد زين الإيمان في قلبه أن يذهب وراء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى داره . وهو قد باعد التقليد عن قلبه ، والتقليد هو الذي يعمى عن الحقائق ، ويمنع الاتجاه إليها . قدوم رسول ملوك حمير 670 - الإسلام بعد علم العرب أجمعين به صار هو يدعو لنفسه ، لما اشتمل عليه من حقائق ولأنه دين الفطرة ، ولم تعد الحوائل تحول بينه وبين الناس ، فصار الناس يدخلون فيه طواعية من غير أي نوع من أنواع الإكراه أو التقليد ، أو الاتباع من غير علم ، بل صارت الحقائق واضحة نيرة . لا يمنع نصراني ولا يهودي من الاتباع ، فاستقامت قلوبهم . ورضوا بالإسلام دينا ، ولم يعد الأمراء يقفون محاجزين بين الأقوام والإيمان ، وخصوصا بعد أن علموا أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، كان يبقى الأمير على إمرته ما استقام أمره ، وما عدل في قومه . ولم يرهقهم من أمرهم عسرا . وكانت الوفود تجيء إليه معلنة الإسلام . ومنهم من كان يرسل رسولا ، وملوك حمير وهم يمثلون الكثرة الكاثرة في اليمن لما رأوا الإسلام قد غلب في كل أرض الشمال ، وتراجعت أمامه جيوش الروم التي كدسوها لغزو الإسلام ، واقتلاعه ، واقتلاع عز العرب ، فعاد جندهم ولم يلاقوا محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد أن قتلت جنوده مع قلة عددهم منهم مقتلة عظيمة ، وعادوا بحكمة خالد بن الوليد سالمين لم يفقدوا إلا بضعة عشر رجلا . أدرك ملوك حمير قوة الإسلام منطقا وعقلا وحقا ، وأدركوا شوكة الإسلام أمام الرومان فأرسلوا رسلا إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يعلنون إسلامهم ، والملوك كحارث بن عبد كلال ، ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ، ومعافر وهمدان وزرعة ذويران مالك بنى مرة الرهاوي ، قد أعلنوا الإسلام ، ومفارقة الشرك . وقد كتب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كتابا للوفد الذي جاءه يبين فيه حقائق الدين وما يجب على الأفراد ، ليعلموا به من وراءهم ، وإليكم الكتاب كما رواه الواقدي :