محمد ابو زهره
974
خاتم النبيين ( ص )
مِنْهُمْ ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة - 117 : 119 ) . العبرة والتربية : 653 - ذكرنا حديث كعب بن مالك مع طوله ، لأنه حديث النفس التائبة النادمة التي زلت ، وحديث الندم بعد الزلل ، وكما يقول الصوفية : إن زلة أورثت ذلا خير من طاعة أورثت دلا ، لقد ذل للّه ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، لأنه أحس بالنفس اللوامة تحركه إلى إرضاء اللّه ورسوله . وقد مكث خمسين ليلة يذكر اللّه في كل ساعاتها ، ويحس في كل آنية منها بوخز ضمير ، وما يوقظ ذلك الوخز يرى في نظرات النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وفي نظرات الناس ، وفي الأسواق ، وهو يصابر نفسه . ويجيء خطاب من ملك غسان يطلب أن يلتحق ، فيراها نكبة أخرى ، ويجيء إلى التنور ليسجره فيه ، وهكذا ، وإن هذه القصة تدل على أمرين : أولهما : أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم رأى في هذا الرجل وصاحبيه خيرا لم يره في غيرهما من الذين اعتذروا ومنهم منافقون ، وضعاف الإيمان ، أما هذا فقد أبدى صفحته ، ولم يرض في موقفه بالاعتذار ، ولا يريد أن يكذب على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فهو موقف طاهر وقلب طاهر ، ولكن علق به درن قليل ، يمكن أن يزول ، ولا يتوب عليه اللّه ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم وفيه هذا الدرن ، ويريد الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن تكون منه توبة نصوح تليق بالمؤمن الصادق في إيمانه ويقينه ، فكانت هذه لتكون منبها يستمر خمسين ليلة ، وكأنه اعتكف خمسين ليلة منصرفا فيها إلى اللّه تعالى ، حتى كانت القاطعة التي حملت الثلاثة على الاعتكاف ، فاعتكف اثنان ، وصار الثالث بين الناس ، وكأنه ليس بينهم ، فهو الغريب بين أصحابه وأهله ، حتى أعلن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قبول توبتهم . الأمر الثاني : الذي يدل عليه الخبر أن الإنسان خلق ليأتلف مع غيره يتلمس التشجيع النفسي من نظرات ، وملامح الوجوه ، ومظاهر الأقوال والأفعال والجوارح التي تصدر عن الناس ، وإن الاستنكار النفسي يفعل في نفوس الأخيار ما لا تفعله العقوبات بالنسبة للأشرار ، فالذين يستهينون بالاستنكار القلبي في قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع ، فبلسانه فإن لم