محمد ابو زهره
887
خاتم النبيين ( ص )
الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان اللّه من هؤلاء ؟ قلت رسول اللّه في المهاجرين والأنصار ، قال أبو سفيان ما لأحد بهؤلاء ، واللّه يا أبا الفضل قبل ، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ، قال العباس يا أبا سفيان إنها النبوة ، فقال نعم إذن . 594 - ذكرنا هذا الحديث بطوله ، لأنه التقاء صديقين كلاهما يتحسس الأخبار لحماية مكة المكرمة من الحرب ، فالعباس رضى اللّه عنه يتحسس ، ليرسل لقريش يحرضهم على أن يستأمنوا لأنفسهم من جيش الإيمان لكيلا تكون حرب في الحرم ، ولتحمى قريش نفسها لا بالحرب ، ولكن بالإيمان أو الأمان . وأبو سفيان يتحسس الأخبار ، لأنه توجس خيفة بعد الغدر ، وتوقع من محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم عملا لحماية من دخلوا في عهده ، ولأنه أصبح في حل من الصلح الذي صالحوه عليه ، إذ نقضوه من جانبهم ، فهو عليهم رد ولا سبيل لأن يدفعوا بعهد نقضوه . والتقى الصديقان ، وكان لقاء فيه خير ، إذ انتهى بإسلام أبي سفيان ، وضمه للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، بعد أن أرضى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وقد بذل العباس في ذلك جهدا ، خصوصا عندما اشتد عمر رضى اللّه تعالى عنه ، وما كنا لنقر العباس رضى اللّه عنه في قوله لعمر لو كان من عدى ما وقف في هذا ، فعمر لا يمكن أن يؤثر قرابة في قول الحق ، وهو الذي قال فيه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « إن اللّه كتب الحق على لسان عمر وقلبه » ومهما يكن من تلك الكلمة ، فإن العباس رضى اللّه تعالى عنه ، قد كانت سياسته حكيمة في ضم أبي سفيان ، فإنه كان له أثر في حقن الدماء ، ومنع الحرب . لقد قال من بعد ذلك العباس لأبى سفيان يحرضه على السرعة في الذهاب إلى قريش يسكنها قال له النجاء إلى قومك ، أي السرعة المنجية . فلما جاءهم صرخ بأعلى صوته ، يا معشر قريش قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا له قاتلك اللّه ، وما تغنى عنا دارك ، قال ناقلا عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد ، فهو آمن . وبهذا تهيأت النفوس للإسلام إلا بعض الذين أكل الحقد قلوبهم ، وسيطر عليهم النزع الجاهلي ، ولم ينظروا إلى ما هو أمامهم ، بل التفتوا إلى ما وراءهم ، ولكنهم مع ذلك لم يجعلوها حربا ،