محمد ابو زهره
877
خاتم النبيين ( ص )
وأما ما يتعلق بالمعاملات العامة كالبيوع والإجارات وغيرها فإن القضاء فيها لا يكون إلا للقاضي المسلم لتحقيق المساواة الكاملة بينهم وبين المسلمين . ومسألة جواز أن يشربوا الخمر ويأكلوا الخنزير ، هي رأى أبي حنيفة وحده ، لأنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون ، ولأن عمر بن عبد العزيز الحاكم العادل سأل الحسن البصري : ما بالنا تركنا أهل الذمة يأكلون الخنزير ويشربون الخمر ، وينكحون بناتهم ؟ قال الحسن البصري : على هذا أخذنا الجزية إنما أنت متبع لا مبتدع . ولكن الجمهور الأعظم من الفقهاء منعوا ذلك - وذلك لأن لهم مالنا وعليهم ما علينا . والحمد للّه . الفتح المبين 588 - هو فتح مكة المكرمة في شهر رمضان حيث ابتدأ السير إليها في العاشر منه ، ووصل إليها في الليلة الثالثة عشرة منه ، وهو لم يكن فتح قتال ، بل كان فتح قلوب ، وأوسع فتح للدعوة إلى الإسلام فما كان قتل وقتال إلا خطأ ، ومن غير تدبير وتعمد من الصحابة الأولين ، بل كان أمنا وسلاما ، وتلاقى قلوب قد فرق بينها الجحود ، واستضعاف الضعفاء ، ومقاومة الإيمان فلما دخل محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم مكة المكرمة ، وهو يقول أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة ألقى إليهم السلام والإكرام ، وتلاقت العشائر التي تخاصمت ثم تهادنت ، ثم سالمت ثم آمنت وإن هذا بلا شك كان نهاية الفتح ، ولم يكن في الظاهر ابتداءه ، بل كان الظاهر هو إرادة القتال ، إذ جاء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في عشرة آلاف من المجاهدين ، وما كانوا هازلين ، بل كانوا جادين ، ولكن عند التلاقى غمدت السيوف عن القتل ، وفتحت القلوب للدخول في دين اللّه أفواجا أفواجا . ولذا كان السؤال : لم كان القتال ؟ ، وقد كان عهد لا ينقض إلا بسبب من التزامات هذا العقد ، وما كان لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن ينقض إلا بأسباب منه لأن اللّه تعالى يقول فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ( التوبة : 7 ) ولم يستقيموا ، فكان هذا خيانة ، فكان عليه أن يعمل بقول اللّه تعالى ، وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ( الأنفال - 85 ) ، ولم يكن ثمة خوف خيانة ، بل خيانة بالفعل في جزء من العقد . والعقد كل يكمل بعضه بعضا ، فإذا دخل الغدر جزآ منه ، فقد دخل النقض كله ، وفقد الالتزام من الجانب الآخر كل إلزام به ، إذ نقض الأول جزآ منه يبطله ، ولو كان العهد يبقى ملزما ، مع نقض جزئه ، لتوالى النقض على كل أجزائه ، فلا يبقى للعقد معنى ولا صورة ، ويذهب هباء منثورا ، وتتبدد أوراقه في أدراج الرياح .