محمد ابو زهره
568
خاتم النبيين ( ص )
قال الإمام أحمد في مسنده بروايته : قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : ما تقولون في هؤلاء الأسرى ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه قومك وأهلك ، استبقهم ، واستأنهم ، لعل اللّه أن يتوب عليهم . وقال عمر : يا رسول اللّه ، أخرجوك وكذبوك ، قربهم فاضرب أعناقهم ؟ وقال عبد اللّه بن رواحة : يا رسول اللّه انظر واديا كثير الحطب ، فأدخلهم ثم أضرمه عليهم نارا . استمع إليهم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وقد ابتدأ الرأي رفيقا ثم اشتد حتى صار حريقا ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتركهم مليا ، ليتدبروا مغبة كل قول ، ثم خرج عليهم . فقال عليه الصلاة والسلام : « إن اللّه ليلين قلوب رجال ، حتى تكون ألين من اللبن ، وإن اللّه سبحانه وتعالى ليشد قلوب رجال ، حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ، قال : فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( إبراهيم - 36 ) . ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ، قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( نوح : 26 ) . وإن مثلك يا عمر ، كمثل موسي ، قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ ، وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( يونس - 88 ) . انتهت الاستشارة بأن أبدى رأيان ، أحدهما رفيق مؤلف ، لا جفوة فيه وهو رأى الصديق رضى اللّه تعالى عنه ، والثاني رأى عنيف ، وهو رأى الفاروق عمر بن الخطاب ، رضى اللّه تبارك وتعالى عنه ، ويتبع ذلك في عنفه بأشد في طريقته ، وهو رأى عبد اللّه بن رواحة ، إذ كان رأيه القتل بالحرق . وقد رأى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يأخذ بمبدأ الفداء ، إذ فيه رفق أبى بكر ، ونفع لجماعة المسلمين ، وقد كانوا في غير غنى ، ورخص في غير ذلك ، فرخص لنفسه في القتل ، ورخص لنفسه في المن من غير فداء ، وإن كان الأكثر كان الفداء ، وكان يسير في الفداء على مقدار الثروة للأسير ، وفي العفو بالمن على مبدأ من كان يظن أنه أسلم ، وخرج تقية ، ويمن أيضا على من يرى في المن عليه كسبا للمسلمين . وأنه يلاحظ أنه لم يمن على أحد من بني هاشم مع أنه نهى عن قتلهم ، وأنه يعلم أنهم خرجوا مستكرهين ولم يخرجوا محاربين . وكيفما كانت حالهم من منّ أو فداء فقد أوصى بهم خيرا ، وقد نزلوا عند الأنصار ، وكأنهم في