محمد ابو زهره
567
خاتم النبيين ( ص )
فملأها ، فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه . فأقره ، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة . وهكذا ، فعل ليوارى سوآتهم ، وليحمى أجسامهم من سباع البهائم ، وسباع الطير . قال ابن إسحاق : حدثني بعض أهل العلم أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال مخاطبا جثث القتلى : « يا أهل القليب ، بئس عشيرة كنتم لنبيكم ، كذبتمونى ، وصدقني الناس ، وأخرجتمونى ، وآوانى الناس ، وقاتلتمونى ، ونصرني الناس ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فإني قد وجدت ما وعدني ربى حقا » . ويروى أنه نادى طائفة من زعماء الشر فيهم ، أو كبراءهم ، فقد روى أنه كان يقول : « يا عتبة ابن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان منهم بالقليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ، فإني قد وجدت ما وعدني ربى حقا » ويظهر أن الواقعة قد تعددت . فقال الحاضرون : يا رسول اللّه ، أتنادى قوما قد جيفوا ، فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا » . ومعنى أسمع : أعلم بحقيقة ما أقول ، لأن السمع الحقيقي يحتاج إلى جارحة السمع ، وقد فقدوها بالقتل ، ولأن اللّه سبحانه وتعالى يقول : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( فاطر - 22 ) وفي رواية عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : « لقد علموا ما أقول » . والعبرة في هذه المسألة أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد عمل على كرامة الإنسان بمواراة سوآت هؤلاء ، وليبين للأحياء المسلمين الاعتبار في هذه المعركة ، وهو أن اللّه صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم عدو اللّه سبحانه وتعالى وعدوهم . الأسرى 388 - أسر من المشركين سبعون ، وقد علمت أن سعد بن معاذ رضى اللّه تبارك وتعالى عنه كان يكره الأسر ، ويريد القتل ، حتى يثخن المشركين ، وذكر للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم رأيه ، وأنه كره الأسر ، ولكن سياسة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كانت تتجه إلى الاستبقاء بدل القتل ، عسى أن يسلموا ، ويكونوا قوة للإسلام ولأن يكونوا مؤمنين ولو مالا ، خير من أن يقتلوا كفارا في عجلة الحرب . والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يعمل عملا إلا بمشورة أصحابه ، ما دام الوحي لم ينزل بأمر ، فهو يجتهد فيما يفعل ، لا فيما يشرع ، وإذا اجتهد في عمل ، فالشورى روح العمل ، وقوة الجماعة .