محمد ابو زهره
558
خاتم النبيين ( ص )
وخالف طريقه ناس سموا أنفسهم قوادا كانوا يديرون دفة الحرب ، وهم في قصور مشيدة ، فكانت الهزيمة ، وذهب جند اللّه بإهمالهم . ( ب ) وثاني مظاهر قيادة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، المساواة بينه وبين جنده ، فقد كان يشعر كل جندي أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بجواره ، ويتساوى معه في الحقوق والواجبات الجندية ، وليس أدل على ذلك من أنه كان يتعاقب مع علي بن أبي طالب ومرثد في جمل واحد ، فلما جاءت نوبته في السير أرادا أن يعفياه ، فرفض ، وقال : لستم أقوى منى ، ولا أنا أغنى عن الأجر منكم . وازن بين هذا ، وبين جيوش المسلمين ، وخصوصا المصريين في العصر الأخير ، والأمور المفرقة التي تجعل فريقا يكتوى بنيران الحرب ، والآخر ينعم بالخيرات ، وينال الفخر إن كان انتصار ، ولا شرف يناله الذين اكتووا بنارها ، ولذلك كانت الهزيمة تتلوها أختها . ( ج ) وثالث مظاهر القيادة النبوية ، إشعار الجند بأنهم يعملون مختارين ، ولا يعملون مسخرين ، وأنهم يطلبون الثواب بحربهم ، وأنهم إن انتصروا بهدى اللّه تعالى نالوا نصرا لأنفسهم ، وللحق الذي يدافعون عنه . وإن قتلوا نالوا شرف الشهادة وجنة رضوان ، وما بينهم وبين دخول الجنة إلا أن يقاتلوا ويقتلوا ، فهم ينالون إحدى الحسنيين ، فهم يقاتلون مختارين للّه وللحق ، ولأنفسهم ، فهم في صفقة رابحة اختاروها ولم يسخروا لها ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة - 111 ) . فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أودع قلب كل مؤمن من الجند بأنه يقاتل مختارا لنفسه ، لا لدنيا يصيبها ، ولكن للّه وللحق في ذات الحق ، فلم يكن أي واحد من جند اللّه بهداية الإيمان ، وقيادة النبي عليه الصلاة والسلام مسخرا أو مجندا ، ولكن كان جنديا مختارا . ( د ) ورابع الأمور التي لوحظت في قيادة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنها كانت لينة مع حزمه وقوة تنظيمه ، فقد كان رفيقا سهلا لينا في قيادته ، لا سيطرة ، ولكن قيادة رفيقة هادئة هادية مرشدة من غير إعنات ولا غلظة ، فكانت القلوب مستجيبة ، والأجسام لها تبع ، فالتفوا حول القائد الحكيم ، يفدونه ، ويفدون معه الحق طوعا واختيارا ، لا كرها واضطرارا ، ولقد كان ذلك من رحمة النبوة ، ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى في قيادة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( آل عمران - 159 ) .