محمد ابو زهره
559
خاتم النبيين ( ص )
( ه ) والأمر الخامس الذي لوحظ في قيادة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم حرصه على جنده ، وإشفاقه عليهم ، وإعظامه لأمر آحادهم وجماعتهم ، كما ثبت في ضراعته لربه ، وخوفه عليهم ، فلم يكن الجند معه إلا الأحباب والأولياء ، ودعاة الحق وهداته ، وأنهم عصابة اللّه إن هلكوا لا يعبد اللّه في الأرض ، فتتربى فيهم عزة ، ويحسون بأنهم موضع المحبة . وإذا أحسوا بذلك باعوا أنفسهم للّه ، فلم ينظر إليهم القائد الحكيم كما ينظر بعض قواد المسلمين اليوم ، على أنهم أدوات للحرب ، كالاتها . ( و ) وسادس الأمور التي لوحظت في قيادة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إشراكهم معه في تحمل التبعة بالشورى يقيمها فيهم ، كأمر اللّه سبحانه وتعالى بقوله فيما تلونا « وشاورهم في الأمر » إن الشورى مع الجند ، تجعل الجندي يحس بتحمل التبعة ، وأنه ذو رأى في توجيهاته ، وذلك يوجد فيه عزة الجندي المتحمل للتبعة وليس كالآلة المتحركة ، وفوق ذلك يشارك في تدبير القتال ، فيزداد قوة نفس ، ومن قوة النفس تكون الإرادة الحازمة الراغبة غير المترددة . بهذه القيادة الحكيمة اللينة الحازمة ، الرقيقة الرحيمة ، تربى جند اللّه تعالى . فكان النصر والغلب . التنظيم : 382 - أول ما اتجه رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في تنظيم جيشه جعله صفوفا متتالية أمام العدو ، وذلك كقول اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ( الصف - 4 ) . فهذا توجيه من اللّه تعالى في القيادة إلى أن يصف الجنود صفوفا ، وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم هو الذي يبين القرآن الكريم بعمله ، وقوله ، إن احتاج القرآن الكريم إلى بيان . وأوّل معركة في الحرب النبوية كانت بدرا الكبرى ، فطبق نظام الصف الذي يحبه اللّه سبحانه وتعالى . روى ابن إسحاق بسنده أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عدل صفوف أصحابه ، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزية ، وهو مستنتل « 1 » من الصف ، فطعن عليه الصلاة والسلام في بطنه بالقدح قائلا : استويا سواد ، فقال : يا رسول اللّه أوجعتنى ، وقد بعثك اللّه تعالى بالحق والعدل ، فأقدنى « 2 » . فكشف رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن بطنه ، وقال : استقد قال : فاعتنقه فقبل
--> ( 1 ) مستنتل : معناها متقدم في الصف ، وفي رواية مستنصل ومعناها خارج من الصف . ( 2 ) أي مكني من القصاص .