محمد ابو زهره
556
خاتم النبيين ( ص )
معاذ قال : يا نبي اللّه ، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا اللّه تعالى وأظهرنا على عدونا ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الآخرى جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا ، فقد تخلف عنك أقوام يا رسول اللّه ، ما نحن بأشد حبا لك منهم ، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ، ما تخلفوا عنك ، يمنعك اللّه بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك ، فأثنى عليه رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ودعا له بخير . بنى له عليه الصلاة والسلام العريش ، وكان فيه فائدة ، وهو الرقابة على حركة الجند وعمله ، وليكون مع الجند كله ببصره ، لا مع فريق منه ، فهو يراقبهم ، ويعرف أعمالهم . ولا شك أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان بوجدانه وشعور العطف والرحمة بجيشه يغلب عليه الإشفاق ، فعندما رأى جيش قريش ضرع إلى ربه داعيا قائلا : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تحادك وتكذب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني ، اللهم أحنهم « 1 » الغداة » . وكان أبو بكر مع رسول اللّه في العريش ، ومعاذ بن جبل في نفر من الأنصار يطوفون حوله ، والرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم دائم الدعاء والضراعة إلى ربه يقول فوق ما روينا ما رواه علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : كان رسول اللّه يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ، ويقول فيما يدعو « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض » وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول : « اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم نصرك » ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه ، وجعل أبو بكر يلتزمه من ورائه ، ويسوى عليه رداءه ، ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال ، يا رسول اللّه : « بعض مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك » . وهكذا كان القائد الرشيد الحكيم لمحبته لجيشه ، ولكل رجل من رجاله ، ولحرصه على الأمر الباعث على الجهاد ، وهو حماية الوحدانية ، والقضاء على الوثنية ، كان يشتد في الابتهال إلى اللّه سبحانه وتعالى . وبجوار ذلك كان يجتهد في بث العزيمة على القتال في جيشه الحبيب إليه ، فهو يلجأ إلى جنده ليأخذ الأهبة ، ويعمل على النصر ، ثم يضرع إلى ربه متوكلا عليه مستغيثا ، لتجتمع له ولجيشه قوة العمل ، وقوة الاعتماد على اللّه سبحانه وتعالى الذي لا يغير أمر إلا بأمره .
--> ( 1 ) أحنهم : من الحين والهلاك .