محمد ابو زهره

555

خاتم النبيين ( ص )

كان اختيار المكان بتوفيق اللّه سبحانه وتعالى ، لا بإرادة أحد ، ولو كان بإرادتهم وأمرهم لاختلفوا في المكان والزمان ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى دبر الميقات ، فجعله في هذا الزمان ، ودبر المكان فكان هذا المكان ، وكان منزل المؤمنين دهسا رمالا يعوق السير ، فأنزل اللّه سبحانه وتعالى مطرا خفيفا لبّد الأرض ، وجعلها معبدة يسهل السير فيها ، وأنزل أمامهم على قريش مطرا كثيرا عوق سيرهم . روى النسائي عن مجاهد : أنزل اللّه سبحانه وتعالى عليهم المطر ، فأطفأ الغبار ، وتلبدت الأرض ، وطابت به أنفسهم . جاء رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، بجيش الإيمان ، فنزل على أقرب ماء من بدر ، وعرض الأمر على الصحابة فجاء إليه الحباب بن منذر بن الجموح وقال : يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه اللّه تعالى ، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : بل هو الرأي والحرب والمكيدة . قال : يا رسول اللّه هذا ليس بمنزل ، فامض بالناس ، حتى تأتى أدنى ماء من القوم ، فتنزله ثم تغور « 1 » ما وراءه من القلب ، ثم تبنى عليه حوضا فتملؤه ماء ، ثم تقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون . اختار النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ذلك المنزل ، وأخذ برأي الحباب بن المنذر كاملا ، وبنى الحوض على البئر التي اختارها ، وامتلأت ماء لأنه آل إليها كل ماء الآبار التي غورت ، ورأى المشركون ذلك فأحسوا بأنها المكيدة التي تحرمهم من الماء . وقد تواجهت الفئتان وتقابل الفريقان ، وحضر الخصمان ، واستغاث برب العالمين سيد الأنبياء . وقد ابتدأت المناوشات بأن رجلا شرسا من بنى مخزوم أحس بمكيدة الماء ، وظن أنه يستطيع أن يهدم على المؤمنين الحوض الذي بنوه ، فقال : لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنه ، أو لأموتن دونه « 2 » ، فخرج إليه وانقض حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه فانقض عليه ، فلما التقيا قطع حمزة بسيفه رجله إلى نصف ساقه ، ولكنه لحرصه على أن ينفذ ما أقسم عليه حبا إلى الحوض ، فضربه حمزة حتى قتله . كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الجيش كسائر جنده ، ولكنه رأى أن يكون في مكان مرتفع ليشرف على حركة جنده ، فاتخذ له عريشا على مرتفع من الأرض ، ويروى أن سعد بن معاذ هو الذي أشار به على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . يروى ابن إسحاق بسنده أن سعد بن

--> ( 1 ) رويت في هذه الكلمة بحرف الغين ، المعجمة ، ومعناها تغوير ما حولها ليذهب ماؤها ، ورويت بالعين ومعنى تعويرها إفسادها بما يشبه ردمها فينحصر الماء في القليب المختار . ( 2 ) هو الأسود بين عبد الأسد المخزومي .