محمد ابو زهره

552

خاتم النبيين ( ص )

379 - ولننتقل إلى الجانب الفاضل . وهو جيش محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقد أجمع القتال ، ولم يكن الباعث عليه ما لا يبتغونه ، ولا عرضا من أعراض الدنيا يريدونه ، ولكنه عدو اللّه قد جاء إليهم ، فلا بد لهم من أن يخوضوا استجابة للّه سبحانه وتعالى ولرسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وإن لهم إحدى الحسنيين ، إما الغنم وإما الشهادة وكلاهما غنيمة في ذات نفسه . عندما رأى المشركون المؤمنين بعين المتحسس منهم هالهم حالهم فاسترهبوهم ، وهم القلة الذين بلغوا نحو ثلاثمائة وازدادوا تسعة ، وقال ابن كثير : إنهم كانوا ثلاثة عشر وثلاثمائة عدا . وعلى ذلك أرى اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين المشركين قلة يستهان بها ، ولا تهولهم حالها ، وقد رأى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ذلك بالرؤيا الصادقة ، ورأوهم كذلك رأى العين ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى في ذلك : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ، وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( الأنفال 43 - 44 ) . ونرى من هذا أن المشركين كانوا يهلعون من اللقاء ، ويترددون ساعته إلا من ركبت الحماقة رؤوسهم ، بينما المؤمنون في بشرى من اللّه سبحانه وتعالى ، يستصغرون شأنهم ، ويتقدمون غير راهبين ، ولا يستنيثون إلا باللّه ، واللّه سبحانه وتعالى يلقى في نفوسهم الطمأنينة ، والروحانية تظلهم واللّه سبحانه وتعالى يعينهم ، ويمدهم في ذات أنفسهم بالملائكة وفي قلوبهم بالأمن والدعة ، وهم ينامون مطمئنين واثقين بالنصر راجين ما عند اللّه سبحانه وتعالى ولا يستعينون إلا بذاته الكريمة ، ولقد قال اللّه سبحانه وتعالى في حالهم ، وهم مقبلون على المعركة : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً ، لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ، وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( الأنفال : 9 : 13 ) . ثم يقول سبحانه : ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( الأنفال - 18 ) .