محمد ابو زهره
553
خاتم النبيين ( ص )
جيشان قد تلاقيا أحدهما كثير العدد ، والعدة ، ولكنه فاقد الإيمان ، حتى بالحرب التي أقدم عليها ، فقد أوهن اللّه سبحانه وتعالى كيده وتدبيره ، أوهنه بإزالة الباعث على القتال ، وأوهنه بالتردد في بعض كبرائهم ، وأوهنه بانفصال بعض بطونهم ، وأوهنهم بإثارة الأرحام التي قطعوها ، وألقى اللّه سبحانه وتعالى في قلوبهم الرعب عندما التقى الجمعان . هذه حالهم ، أما حال المؤمنين فإرادة مؤمنة مجمعة ، وبشرى من اللّه سبحانه وتعالى بالملائكة وإيحاء إلى الملائكة بتثبيت المسلمين وإلقاء الطمأنينة في قلوبهم ، حتى غشاهم النعاس أمنة ، وأرسل لهم المطر خفيفا لتثبت الأرض تحت أقدامهم ، واستبدلوا بطلب العير طلب العزة ، فقد أرادوا المال ابتداء ، ثم أرادوا إعلاء كلمة اللّه سبحانه وتعالى ، كانوا يودون المال ، وبعزة اللّه سبحانه وتعالى أرادوا القوة والعلياء ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ( الأنفال - 7 ) ، جيشان درع أحدهما بالعدد والعدة مع الوهن ، والثاني درع بالعزيمة والإيمان والصبر ، والرغبة في الشهادة ، وإنها إحدى الحسنيين ، فإما نالوها ، وإما نالوا النصر ، وفي كليهما الغنم الكثير . فهل هما متكافئان ؟ أقول إن أهل الخبرة في الحروب يقولون إنهما غير متكافئين ، ذلك أن قواد الحروب في القرنين الحاضر والسابق قدروا أثر القوة الحربية المادية بالنسبة للقوة المعنوية بواحد إلى ثلاثة أي أن نتائج النصر أو الهزيمة يكون للقوة المادية فيها الربع . وللقوة المعنوية الروحية ثلاثة الأرباع ، وإذا كان عدد المشركين ألفا فهو ألف ، أما عدد المؤمنين في ميزان القوة فهو مائتان وألف على الأقل فوق تأييد اللّه سبحانه وتعالى بالملائكة إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ( الأنفال : 12 ) ، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ( الأنفال - 17 ) . وإن تقدير النسبة بين قوة المادية إلى قوة الروح بواحد إلى ثلاثة هو تقدير أهل الخبرة ، وهم يخطئون ويصيبون ، أما تقدير اللّه سبحانه وتعالى فهو أعلى من ذلك إذ قدر الواحد من أهل الإيمان في حال القوة التي لا ضعف معها ، بعشرة من أهل الكفر ، فقال اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ، وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( الأنفال - 64 ، 65 ) .