محمد ابو زهره
539
خاتم النبيين ( ص )
وقد أمره اللّه سبحانه وتعالى بأن تكون القبلة إلى بيت المقدس مؤقتا ، لأن اللّه سبحانه وتعالى لم يؤذن بأن تخرج الكعبة الشريفة عما هي عليه ، ولعل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم علم بأمر ربه رأى أن استقبال بيت المقدس ، واستدبار الكعبة الشريفة أمر مؤقت وأن النهاية إلى الكعبة الشريفة ، وأن الاتجاه إليها إيذان بذهاب دولة الأوثان ، وطهارة البيت الحرام . ولذلك كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يضرع إلى اللّه سبحانه وتعالى أن يقرب الوقت الموعود بالعودة إلى الكعبة الشريفة ، لأن العودة إلى الكعبة الشريفة عودة إلى كعبة إبراهيم أبى الأنبياء ، ولأن الاتجاه إليها إيذان بنصر اللّه سبحانه وتعالى ، وإيذان بإزالة الأوثان بعد زمن طال أو قصر ، وإن كان في عمر السنين والحساب ليس كثيرا . وفي هذا الوقت كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يضرع إلى اللّه سبحانه وتعالى أن يقرب البعيد ، وكان اليهود يتوهمون أن جعل القبلة إلى بيت المقدس معناه أن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يكون خارجا عن أنبياء بني إسرائيل ، وهو وهم باطل سكن في نفوسهم التي تتخيل ثم تخال ثم تعتقد ، كشأن أصحاب الديانات الذين لا يؤمنون بالديانة إلا على أن تكون أماني لهم أو تتفق مع أمانيهم . قبيل بدر كان الإيذان بزوال دولة الأوثان التي كان يومها يوم الفرقان ، قد أذن اللّه سبحانه وتعالى بتحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة ، أو بالأحرى إعادة القبلة إلى الكعبة الشريفة ، إذ نزل قول اللّه سبحانه وتعالى : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ، وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ . وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ، وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ » ( البقرة - 142 : 145 ) . كان تحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة ، بهذا النص وهو يدل على أمرين :