محمد ابو زهره
538
خاتم النبيين ( ص )
تحويل القبلة وفرض الصوم 371 - لم يكن عمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الحرب وإرسال البعوث ، وعقد المعاهدات ، وتنظيم شؤون المدينة المنورة وما حولها . لم يكن ذلك عمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقط ، بل كان عمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مع ذلك تنظيم الدولة بوحي من اللّه سبحانه وتعالى ، فما كان ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحى يوحى ، فأصل الجهاد بوحي من اللّه سبحانه وتعالى ، ولكن الترتيبات الجزئية والترتيبات التنفيذية ، وكل ذلك إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ليقوم بمثله من بعده عند انقطاع الوحي ، وله في رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أسوة حسنة ، ولم يكن تنظيم الدولة فقط ، بل كانت التكليفات التي يتلقاها عن اللّه سبحانه وتعالى من العبادات ، والتكليفات الاجتماعية التي من شأنها أن تربى روحا قوية لتجعل من أتباع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قوة متحدة ، في نظام اجتماعي متماسك قوى تربطه أشد عناصر الترابط الاجتماعي الذي يكون مجتمعا متكافلا . ولذلك كانت الفترة ما بين جمادى الآخرة ، أو بالأحرى ما بين رجب ورمضان ، أو الشطر الأكبر منه كانت تلك الفترة زمان شرعية أمور من العبادة ، تتصل بتقوية النفس وتقوية المجتمع . وفي هذه الفترة شرع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة ، وفي هذه الفترة فرض صوم رمضان ، وفرض مع صوم رمضان صدقة الفطر ، وهما فرضان اجتماعيان كما سنبين . وتحويل القبلة إيذان من اللّه سبحانه وتعالى بإزالة الأصنام ، أو الأخذ في أسباب هذه الإزالة . تحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة 372 - عندما فرضت الصلاة بعد الإسراء والمعراج على أنها خمس صلوات ، وإن كان لها ثواب خمسين صلاة ، إن أقيمت على وجهها ، كانت قبلة المسلمين إلى الشام إلى بيت المقدس ، ولكن تتوسط الكعبة الشريفة ، فيكون الاتجاه إلى الكعبة الشريفة على ناحية بيت المقدس ، فكان المصلى يجمع في صلاته بين القبلتين بأمر ربه . ولما هاجر إلى المدينة المنورة لم يكن الجمع ممكنا ، بل لا بد من استدبار إحدى القبلتين ، وقد ترك النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مكة المكرمة ، والكعبة الشريفة تحيط بها الأوثان ، ولم يكن ثمة ما يؤذن من الأمور بزوالها ، فكان استقبالها لا يخلو من استقبال الأوثان المحيطة بها ، والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان حريصا على أن تكون الكعبة الشريفة هي القبلة ، وحريصا على أن تزول الأصنام عنها .