محمد ابو زهره

525

خاتم النبيين ( ص )

أولا - اعتزال الناس جملة ، والخروج عن الحياة التي يحياها الناس لأنفسهم آكلين شاربين متمتعين بحلاوة الحياة وما فيها . وثانيا - أن الراهب يعتزل النساء ، والمجاهد التقى الذي نال شرف الجهاد ومعناه يعتزل النساء وينقطع عن الأولاد في مدة الجهاد ، وهم فلذات كبده . وثالثا - أن كليهما قد قدم نفسه للّه سبحانه وتعالى - الراهب بالعبادة ليسمو في نظره إلى الروحانية التي تقربه من اللّه سبحانه وتعالى في زعمه . والمجاهد قد قدم نفسه فعلا للّه سبحانه وتعالى ليحمى الحق الذي أمر اللّه بنصرته ، وترى أن المشابهة قائمة ، وإن اختلف القصد في كليهما . ومن هنا كان موضع الافتراق ، فالراهب يعتزل الناس لأجل نفسه وعبادته الانفرادية ، أما المجاهد فيعتزل الناس ، ليحمى الناس ، وينفذ أمر ربه ، فالأوّل عبادته في دائرة وجوده الشخصي لا تعدوه ، والثاني عبادته في دائرة النفع العام . والأوّل لا تخلو عبادته من أثرة ، والثاني عبادته كلها إيثار . وإن الإسلام منع الرهبنة ، لأنها فرار من الحياة ومتاعبها ، ولذلك تعتبر القوانين الأوربية الرهبان في حكم الأموات ، والرهبنة موت اختياري ، والإسلام لا يريد للمتعبد هذا الموت ولا ذلك الفرار ، ولكنه يريد المؤمن نافعا للناس ، حيا في وسط الأحياء ، حاميا لهم من المضار ، جالبا لهم المنافع ، إذ ليست العبادات الإسلامية سلبية ، بل هي إيجابية ، هي المشاركة في رفعة النوع الإنسانى ، ولذلك يعد كل نفع للأحياء صدقة ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « ما من مسلم يغرس غرسا ، أو يزرع زرعا ، فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كتب له به صدقة » وإنه ليس معنى ذلك أن الروحانية في الإسلام لا وجود لها ، بل إن لها المقام الأوّل ، ففي الصوم والصلاة والحج روحانية ، بل كلها روحانية ، وفي الاعتكاف روحانية ، ولكن روحانية الإسلام ليست انقطاعا عن الحياة والأحياء ، بل هي مع ما فيها من سمو نفسي ، وتجرد من الجسم وأهوائه وشهواته ، هي لتحسين العلاقات الإنسانية ، وأن يكون المؤمن مألفا يألف الناس ، ويألفونه .