محمد ابو زهره
757
خاتم النبيين ( ص )
وذكر ابن القيم أن من الأحكام الفقهية التي ظهرت في الحديبية استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأي وأمنا لطاعتهم ، وتعرفا لمصلحة يختص بها بعضهم دون بعض ، واستجابة لأمر اللّه في قوله تعالى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ( آل عمران - 159 ) . وقد مدح سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ، بقوله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ( الشورى - 38 ) . ونحن نرى أن النصوص توجب أن يستشير الإمام الرعية في إدارة شؤونهم ، وقد نرى استحباب ذلك في القتال ، لا في شؤون الكافة . ومنها أن المشركين والفجار والفسقة وأهل البدع إذا طلبوا أمرا يعظمون به حرمة من حرمات اللّه تعالى ، أو أمرا هو حق في ذاته أجيبوا إليه ، فكل من يطلب أمرا هو حق في ذاته ، أو محبوب لا إثم فيه ، أجيب الطلب ، ولو كان فاسقا مبتدعا ، أو باغيا على الحق ، أو مشركا ، إلا أن يكون في ذلك ما يؤدى إلى التجرؤ على أهل الحق أو معاونة آثم لذات الإثم وإن ذلك موقف دقيق ، إذ التعرف على حق لا يجر إلى باطل أمر دقيق لا يدركه إلا أهل الإيمان وأهل الإدراك السليم . ومنها أن الحرم ليس مقصورا على المسجد الذي هو مكان الطواف ؛ بل الحرم يشمل ذلك ، وما حول مكة المكرمة ، وأن كلمة الحرم تشمل كل ما حول مكة المكرمة . ومنها أن المحصر بالحج أو العمرة وهو الذي يمنع من الوصول إلى البيت الحرام ، وقد أحرم لزيارته معتمرا أو حاجا ينحر الهدى حيث أحصر ، ومنها أن المصالحة مع الكفار جائزة ، ولو كان فيها ضيم ظاهر إذا ترتب على ذلك مصلحة للمسلمين ، والضيم ظاهر ، والعبرة بالنتيجة ، وإن كان الضيم في ذاته ضرر ، فإنه يقدم بدفع أقل الضررين ، وإن الصلح بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وكفار قريش في هذا الوقت كان خيرا في عواقبه ، وإن لم يكن ظاهرا لكل المؤمنين أو لكثرتهم . وهكذا كانت أعمال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تفيد أحكاما شرعية ، سواء أكانت تتعلق بتدبير مصلحى ، أو عبادة مقررة ثابتة . وإنه إذا كان الأمر مصلحة ، وجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يبدي ما يراه مصلحة ، أو يعين على الواجب ، لأن ذلك من قبيل النصيحة في الدين التي تجب المبادرة بها ، فقد قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، « الدين النصيحة للّه ولرسوله ، ولكتاب اللّه ، ولخاصة المسلمين وعامتهم » . ولذلك تقدمت السيدة أم المؤمنين أم سلمة تطلب إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يبادر هو بالعمل ، فإذا حلق ونحر تبعوه ، لأن العمل يؤثر في الاتباع أكثر من القول ، ولم يجد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم غضاضة في أن يتبع ما أشارت به غير متردد ، لأن الحق أحق أن يتبع ، ولأن الحق