محمد ابو زهره

756

خاتم النبيين ( ص )

التنبيه الثالث : أنه لم يكن ذلك الحكم هو الوحيد الذي كان في غزوة الحديبية ، وإن كان ثبوت هذا الحكم بالنفي ، بل هناك أحكام أخرى ثبتت بعمل رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قد عقد لها ابن القيم في كتابه ( زاد المعاد في هدى خير العباد ) فصلا قائما بذاته فلنتبعه في ذلك . أحكام فقهية أخرى : 515 - نشير هنا إلى بعض ما ذكره ابن القيم : ( أ ) منها إن الإحرام بالعمرة في أشهر الحج يجوز ويصح ويلزم الاستمرار فيه ، وأن الإحرام بالعمرة وإن كان يجوز من غير مواقيت الإحرام ، وهي الأماكن التي خصها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأن المسافر عليه أن يحرم بالحج قبل اجتيازها ، غير أن الإحرام من الميقات للعمرة أفضل ، فإنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أحرم بها من ذي الحليفة ، كما أحرم بالحج . ( ب ) ومنها أن إشعار الهدى سنة وأنه لا مثلة فيه ، وذلك بأن يحدث في جسمه عند سوقه ما يدل على أنه مخصص للذبح في مكة المكرمة ، وبالتالي فإن سوق الهدى للعمرة سنة في ذاته عند الإحرام ، وأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ساق الهدى وأشعره ، وكان في جملة ما ساق من هدى جمل لأبى جهل كان من أنفال بدر ، وإن كان مغايظة للمشركين ، وهذا يدل على أن غيظ المشركين ليفل من حدة سلطانهم ، ولإثبات أن كلمة اللّه هي العليا ، وأن العاقبة للمتقين ، وأنه سبحانه وتعالى قال : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( التوبة - 120 ) ومنها جواز الاستعانة بالمخلص من غير المسلمين إذا كان في الاستعانة به فائدة ولا ريب فيه ، ولا مظنة لأن يترتب على الاستعانة إيذاء ، من أي نوع كان ، وإلا يمنع سدا للذريعة وذلك لأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم استعان بعيينة الخزاعي ، وكان كافرا ، وجعله عينا على المشركين وكان أقرب إلى أن يعرف أحوالهم ، لاختلاطه بهم ، والمصلحة في ذلك ، ولا ضرر . والحق في هذه القضية أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يستعن به ابتداء ، بل إنه هو الذي قدم معلوماته ، وإن خزاعة مسلمهم وكافرهم كانوا على مودة بالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . ولذلك عندما تم العهد بين النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وبين قريش دخلوا في عهده ولم يدخلوا في عهد قريش كبنى بكر ، ورد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم للمشركين عهدهم عندما عاونوا بنى بكر على خزاعة واستعد لفتح مكة المكرمة .