محمد ابو زهره
500
خاتم النبيين ( ص )
( ب ) أنه بمقتضى هذه الوثيقة يصير اليهود الذين يقيمون بيثرب رعية واحدة ، فلا تكون لهم أحكام خاصة بهم لا تسرى على غيرهم ، ولا يختصون بنظم لا تنطبق على غيرهم ، وذلك مع الاحتفاظ بدينهم ، تراعى فيه حرمة العقيدة ، وألا يكون لأحد عليهم سبيل فيها ، وأن عليهم حكم اللّه تعالى ، وللنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ألا يحكم بينهم إذا وجد مصلحة ، ويبين هذا قوله تعالى في شأنهم : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ، أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً ، وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( المائدة - 42 ) . وإن هذا يدل على أنهم كانوا خاضعين فيما يتعلق بالنظام العام كحرمة الدماء ، والظلم ، ولكن شؤونهم الخاصة لا يحكم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فيها بينهم إلا إذا جاؤوا إليه ، فله أن يحكم ، وله أن يعرض . ولذا لا نستطيع أن نقول إنهم كالذميين تماما في الأحكام ، ولكنهم من جهة كالذميين ، ومن جهة ثانية جيران ، يستمتعون بحقهم في المعاملات الخاصة من غير إثم . ( ج ) أن العهد كان أساسه التعاون بين العشائر بحيث تحمى كل عشيرة ضعيفها ، وتعطى الفضيلة بينها وتفك أسر أسيرها ، وتدفع ديات قتلاها ، وذلك يشير إلى حرمة كل شخص على أهله في دائرة البر لا في دائرة الاعتداء أو الانتقام . ( د ) أنه مع التعاون بين العشيرة ، هناك تعاون عام بحيث يتضافر المؤمنون جميعا بل الجماعة في عون المظلوم ، ولذلك عندما كان النص على القود أوجب على المؤمنين جميعا معاونة أولياء المقتول في القصاص ، وتتعاون الجماعة كلها في دفع أذى كل من يحدث حدثا أو اشتجارا ، أو ما يثير العداوة والبغضاء ، وأنه بهذا التعاون الفاضل تستقر الأمور على خير الجماعة ، وما يجلب لها النفع ، ويدفع عنها الضر ، وأنه لو نفذ هذا العهد بكل ما فيه لتكونت من المؤمنين وجيرانهم مدينة فاضلة . وأن الحلف يوجب أن يكون عدو النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عدوا لليهود ، فلا يجار قرشي ، ولا من يناصر قريشا ، فعلى اليهود ألا يوالوا المشركين ؛ لأنهم أعداء اللّه تعالى ، وأعداؤهم ، وذلك لأن الميثاق يجعل أهل المدينة المنورة مسلمين ويهودا أهل ولاء واحد ، عدوهم واحد ، ومناصرتهم واحدة ، وذلك ليكون أمن الجميع واحدا ، فمن هاجم فريقا من أهل المدينة المنورة فقد هاجم المدينة كلها ، وذلك بلا ريب يلزم اليهود ، لأن الوثيقة أعطتهم حقوقا ، وأوجبت عليهم واجبات ، فإذا أخلوا بما يجب عليهم ، فقد أسقطوا ما لهم من حقوق ، لأن الحقوق والواجبات متقابلة . وما دام الولاء واحدا ، فإنه لا يصح أن يتعاون