محمد ابو زهره

662

خاتم النبيين ( ص )

هذه توصية أبى بكر الصديق خليفة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولا بد أن تكون بهدى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولذلك ننفى أن يكون النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد قطع نخيل بنى النضير ، فمحال أن يكون النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمر في موضع ، وأبو بكر ينهى بإطلاق ، ولأن القرآن الذي نزل في واقعة الجلاء لم يذكر قطع النخيل ، وهي الأصول بل الذي فيه أنه قطعت ثمار ، وبقيت أخرى على أصولها قائمة . ولكن مع ذلك لما اشتدت لجاجة الحروب بين المسلمين والمشركين أو الكفار بشكل عام اختلفت الفقهاء في جواز التخريب في أرض العدو من قطع أشجار ، وتهديم بنيان ، وذبح الحيوان لغير مأكلة ، أو إهلاكه بشكل عام . فكثيرون من الفقهاء أجازوه ، لأن الحرب لا تبقى ولا تذر ، ولأنه إذا أبيحت الأنفس ، فكيف يصان ما عداها وهو دونها ، ويستندون في ذلك إلى أخبار نسبت للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في غزواته . أولها : وهو في قصة بنى النضير أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمر بتخريب بنى النضير ، وقال اللّه تعالى في ذلك يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ . ثانيها : أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أمر بأن يحرق قصر مالك بن عوف ، وقد كان أميرا لجيش المشركين في الطائف ، ورمى بالمنجنيق حصنا للطائف . ثالثها : أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقطع كروم العنب لثقيف في الطائف ، وقد ذكر في المغازي أنهم عجبوا عند إرادة قطعها ، وقالوا : « كيف نعيش بعد قطعها » . هذه حجج الأكثرين من الفقهاء الذين قالوا ما قالوا تحت سلطان لجاجة الحروب وشدتها ، وعدم تحرجها من قبل المشركين . أما الفريق الآخر من الفقهاء وإن لم يكونوا الأكثر فقد تمسكوا بقول الصديق الذي لا يمكن أن يخرج عن قول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولا عن عمله ، فمنعوا التخريب ، وعلى رأس هذا الفريق فقيه الشام الأوزاعي ، فقد قرر أنه لا يجوز التخريب إلا إذا ألجأت إليه ضرورة حربية ، كأن يتحصن المحاربون بحصن ولا يمكن الوصول إليهم إلا بهدمه ، أو تكون الأشجار غابة كثيفة ، قد اتخذوها مستترا يكمنون للمسلمين فيها ، وينقضون عليهم من مساترها .