محمد ابو زهره
663
خاتم النبيين ( ص )
وإن الناظر إلى أدلة الذين أباحوا التخريب في غير ضرورة ملجئة ، لا يجدها منتجة لإباحته بإطلاق فإن تخريب النبي لبيوت بنى النضير ، لأنهم اتخذوها حصونا يقذفون منها الحجارة على المؤمنين ، فكان لا بد أن تزال تلك الحصون دفعا للأذي ، فكانت الضرورة ملجئة لذلك ، وقد قرر الجميع أن الضرورة تقدر بقدرها . وإن قصر عوف بن مالك كان قد اتخذه حصنا ، وكذلك الحصون التي رميت بالمنجنيق في ثقيف ، فما كان رميها إلا لضرورة حربية ، لا للتخريب والإفساد . أما ما هم به النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم من قطع كروم العنب لثقيف ؛ فلأنهم كانوا يتخذون منها الخمر ، والخمر حرام ، ويظهر أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يقطع ، وإنما أمر فقط بالقطع ، أو قطع قليلا لإفزاعهم ، وذلك ليحملهم على التسليم بدل الاستمرار على القتال ، وبذلك تحقن الدماء ، ولذلك سلموا بمجرد أن رأوا المسلمين يعتزمون قطعها . وإنه بمراجعة الشريعة في مصادرها من كتاب وسنة وآثار للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وصحابته الكرام نجد أنها لا تدل على جواز التخريب ، بل تمنعه . ولنقف عند الآيات الكريمة التي تلوناها في قصة إجلاء بنى النضير ، فنجد أن الآيات لا تبيح التخريب بإطلاق وفي كل الأحوال ، وأن القطع الذي ذكره القرآن إنما هو في قطع الثمار لا في قطع الأشجار ، وذلك في قوله تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ ( الحشر : 5 ) إلى آخر الآيات الكريمات التي تلوناها . وذلك لأن اللينة المراد بها الثمرة ، والمعاجم في اللغة تؤيد ذلك . لأن كلمة لينة جمعها لون وهو بالاتفاق نوع من ثمر النخل ، ولأن الآية تخير بين قطع اللينة أو بقائها على أصولها . وذلك يقتضى أن تكون ثمرة قائمة على الأصول تبقى أو تقطع ، والأصول النخيل ، فلم يذكر في القرآن إباحة قطعها ، ولأن الآثار الواردة في غزوة بنى النضير التي هي موضوع الآيات الكريمات تفيد أن الصحابة ما كانوا يقطعون النخيل ، بل كانوا يقطعون الثمر . فقد روى أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم استعمل أبا ليلى المازني وعبد اللّه بن سلام على نخيل بنى النضير قبل إجلائهم ، فكان أبو ليلى يقطع العجوة ، وهي تمر جيد ، وابن سلام يقطع اللون وهو تمر ردئ ، فقيل لأبى ليلى : لم قطعت العجوة ؟ قال : لأنها أغيظ لهم ، وقيل لابن سلام : لم قطعت اللون ؟ قال لأنى علمت أن اللّه تعالى مظهر نبيه ومغنمه أموالهم ، فأحببت إبقاء العجوة ، وهي خيار أموالهم ، وإن قطع الثمار لا يعد تخريبا ، لأنه سيكون مأكلة .