محمد ابو زهره

657

خاتم النبيين ( ص )

قُلُوبِهِمْ ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( الأنفال : 64 - 63 ) . ففرض أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد يخدع من الخب الغادر اللئيم . وأن الرجل المؤمن الحكيم ، - وقد أوتى محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم الحكمة وعلمها الناس - ، يخدع من ناحية ما يريد وما هييء له . وقد أحب النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تبليغ رسالة ربه وهداية العرب إلى الوحدانية ، وعبادة اللّه سبحانه وتعالى وحده لا شريك له ، وذلك عمله الذي بعثه اللّه تعالى له ، وما كان قتاله إلا دفاعا . فالقتال لحماية الدعوة من الاعتداء ، ولم يكن هدفا مقصودا لذاته ، فإذا جاء من سهل له الدعوة استجاب ، والحر الأبى لا يفرض الغدر ابتداء ، ولكن يفرض الغدر حتما إذا كان الأمر من غادر . وفي الحق أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم خدع في المرة الأولى لأنه رسول يريد تبليغ أمر ربه ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ( المائدة - 67 ) فما كان له أن يتردد في إجابة من دعوه ليعلمهم الإسلام ، وليقضى اللّه أمرا كان مفعولا . هذا في يوم الرجيع ، أما يوم بئر معونة ، فما كان مخدوعا ، بل كان يقظا ، وخشي على من أرسلهم من خشونة أهل نجد ، وجفوتهم ، وأنهم أعراب غلاظ ، وما وافق حتى عقد عهدا بالجوار ، وكان مكتوبا بدليل أنه قدمه رسول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فمزقه بسيفه ، وبدليل أن بنى عامر رفضوا أن يصرخوا ابن الطفيل إذ استصرخهم حفظا للجوار . ولكن الغدر والخيانة جعلاه يستصرخ بغيرهم ، كما أصرخوه ، وكان ما كان من قتل الأطهار العباد الزهاد الذين يحتطبون بالنهار ، ويقومون بالليل . ولقد أدرك النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم غدر الغادرين ، وربما ظن بقلبه الطاهر الرباني أنه لم يكن حريصا في إرسالهم ، فقنت ثلاثين يوما استغفارا لربه ، فما كان غير حريص ، ولا مخدوعا في هذا . وإنه مهما يكن الأمر في هذا ، فإنه من المؤكد أن مسارعة عامر بن الطفيل لهذا الغدر ، ما كانت إلا لإشاعة أن المؤمنين هزموا في أحد ، فتكشفت قلوب الغادرين والمداهنين لقريش ، الذين ظنوا فيهم القوة ، واللّه ولى المؤمنين .