محمد ابو زهره
656
خاتم النبيين ( ص )
فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم عصية وذكوان ورعل فأجابوه إلى ذلك الغدر اللئيم ، فخرجوا حتى غشوا المؤمنين ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم حملوا سيوفهم ، وقاتلوا ، ولكنهم كانوا يقاتلون من أحاطوا بهم حتى قتلوا عن آخرهم كما ذكر . ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد أخو زيد بن النجار ، فإنهم تركوه وبه رمق ، فحسبوا أنه مات ، وكان عمرو بن أمية الضمري في سرح القوم ورجل من الأنصار . وفرا من القتل ، فأخبرا النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم . فقنت ثلاثين يوما لما أصاب رسله ، صلى اللّه تعالى عليه وسلم . 443 - تلك قصة بئر معونة في صفر ، وبئر معونة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة . ونلاحظ في هذه القصة بعض أمور : أولها : أن أبا براء ما كان مسلما ، وربما له ميل إلى الإسلام ولكنه زعيم في قومه ، ويريد أن يكون مع قومه ، فلا يكرههم حتى لا ينفروا ولكن يريد الدعوة إليهم ، حتى إذا استأنس بإسلامهم أعلن إسلامه واكتفى بأن جعل الدعاة إلى جواره . ثانيها : أن الغادر عامر بن طفيل كان يعمل لحساب الشرك أو لحساب مكة ، وما كان ليفعل لولا أنه وجد في قريش قوة ، وهي ما أشاعوها من هزيمة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم . وثالثها : أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أرسل إليهم مبلغين حفظة عبادا يحتطبون نهارا ، ويقومون ليلا ، ولم يرسل معهم أبطال حرب كالزبير وسعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب ، وإن كان هؤلاء في عبادتهم وزهادتهم لا يقلون عن الأولين ، لأنهم أسود فوارس بالنهار قوامون بالليل . رابعها : أن هذه ثاني غدرة برسل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، مبلغين ليغدر بهم ، وكانت الأولى في يوم الرجيع ، وهذه في بئر معونة . فهل كان خدع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو قائد الأمة سهلا بهذا الشكل ، فنقول : لم يكن الخدع بعيدا عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو بشر كسائر البشر ، يحتاط ، وكفاه ، وقد فرض اللّه سبحانه أن يخدع ، والكريم المخلص يخدع ، والخب اللئيم الذي يفرض الشر لا يسهل خدعه كالكريم الطيب الذي يفرض في الناس الخير ، وقال سبحانه وتعالى في ذلك : وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . وَأَلَّفَ بَيْنَ