محمد ابو زهره

487

خاتم النبيين ( ص )

وإن المودة ليست واجبة بالنسبة لأبناء الأمة الإسلامية وحدهم ، بل هي واجبة حتى للمخالفين في الدين ما داموا لم يعادوا المسلمين أو لم يعتدوا عليهم ، ولقد بين اللّه سبحانه وتعالى تلك الحقيقة ، وهي القانون الشامل في معاملة المسلمين لغيرهم ، فقال اللّه تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( الممتحنة 8 - 9 ) . وقال اللّه تعالى : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ( المجادلة - 22 ) . ويروى أنه في مدة الحديبية بلغ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن قريشا نزلت بهم جائحة فأرسل مع حاطب بن أبي بلتعة خمسمائة دينار ليشترى بها برا ، ويوزعها على فقراء قريش . بل إنه في أثناء الحرب ، لا تنقطع المودة مع شعوب الدولة المحاربة من غير المقاتلين ، ولا تنقطع المودة إلا مع المقاتلين أو من يشتركون في القتال بالعقل والتدبير ، والترتيب والتنظيم ، فأولئك هم الذين يحادون اللّه ورسوله . والخلاصة أن الإسلام لا يقطع المودة ، بل يصلها دائما ، ويعد القاطعين لها في غير الدائرة المذكورة يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل . [ رعاية المصلحة الاجتماعية بضوابط قرآنية ] ز - المصلحة ودفع الفساد ، وقد قامت الدولة الإسلامية التي بينت أسسها في القرآن الكريم ، وطبقها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأرسى قواعدها عمليا محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قامت على رعاية مصالح العباد في الدنيا والآخرة على القاعدة التي ذكرت في القرآن الكريم : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( القصص - 77 ) . وهكذا كانت المصلحة الجماعية هي من غايات الإسلام . على أنه يجب ملاحظة أمرين : أولهما : [ المنفعة العامة والمنفعة الخاصة ] أن الاعتبار في المنفعة منفعة المجموع أولا ، وبأوفر حظ ، وأن مصلحة الآحاد غير مسلوبة ، بل هي تكون في مصلحة المجموع ، وتنفرد عن مصلحة المجموع ، إن لم يترتب عليها ضرر عام ، فإن الضرر يزال ، ومنفعة العامة مقدمة على منفعة الخاصة إن لم يمكن الجمع بينهما ، ولذلك شرع