محمد ابو زهره

488

خاتم النبيين ( ص )

الجهاد ، وحث النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عليه ، ولو كان فيه ضرر لآلام تنزل بالمجاهدين ، ولكن تركه يؤدى إلى تهلكة الجماعة ، وغلبة الشر على الخير . الأمر الثاني : [ المصلحة امعنوية ] أن المصلحة المعنوية بأداء الواجب والتزام الحقوق ، وتهذيب النفس - مطلوبة كالمصلحة المادية ، بل هي أشد طلبا ، وأكثر رعاية في الإسلام ، والمصلحة الأصلية تلاحظ قبل المصلحة العاجلة ، ولذلك كانت ملاحظة العبادة قبل ملاحظة المعاش ، إن الدنيا سبيل الخير في الآخرة ، وإن النظر إلى الآخرة خير مالا وغاية وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( العنكبوت - 64 ) . وإن الإسلام لا يدعو إلى الزهد في الحياة ، ولكن يدعو إلى أن يطلب المؤمن الحياة من حلالها ، ويجتنب محرماتها ، وما كان تجنب المحرمات إلا لأن تناولها يفوت المصالح الحقيقية التي عدها الإسلام مصالح ، وما من مصلحة مضيعة ، إلا ومعها تناول محرم حرمه اللّه تعالى لأن المحرم اعتداء على غيره . وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان يتناول المباحات ، وينهى عن تحريم ما أحل اللّه تعالى من طيبات في هذه الدنيا ، ولقد استنكر اللّه تعالى على الذين يحرمون الطيبات ما يصنعون ، فقال اللّه تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( الأعراف - 32 ، 33 ) ويقول اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلا تَعْتَدُوا ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( المائدة - 87 ، 88 ) . وهكذا نجد أن دولة الفضيلة لا تقوم على الحرمان ، بل الحرمان المجرد نقيضها ، وقد منع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأمر اللّه أن يحرم مؤمن على نفسه ما أحل اللّه ، ولقد روى الإمام أحمد رضى اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة » . ولقد روى أن الإمام أحمد رضى اللّه عنه سئل عن الورع ، فقال رضى اللّه تعالى عنه : « الورع طلب الحلال » ، فليس في الدولة الإسلامية الفاضلة زهادة لمجرد الحرمان ، وإذا كان زهد ، فهو لتعويد النفس القدرة على فطمها عن الشهوات عندما يلج داعيها .