محمد ابو زهره
617
خاتم النبيين ( ص )
419 - هذا جيش قوى بالعدد ، وقوى بالعدة ، وبثوا فيه روح القوة وأثاروا فيه الحمية ، فكانوا المجتمعين على باطلهم ، جمعهم الشر والحقد والثأر . ولنتجه إلى جيش المؤمنين ، ولا يمكن أن نقول أنه في إيمانه وقوة روحه كان أقل من قوة المشركين المدافعة ، فإذا كان أولئك يدفعهم الحقد والضغينة والترات ، فإن جيش الإيمان يدفعه إيمان قوى راسخ كالرواسى ، وحب في الشهادة ، وإرادة من عند اللّه سبحانه وتعالى ومعهم أعظم قواد الأرض إيمانا وروحا ، وللمؤمنين فيه أسوة حسنة ، ولكن يجب أن نذكر بعض الملاحظات : ( أولاها ) أن بعض الذين لم يحضروا بدرا ، ورأوا غنائمها ، ربما كان من المحرض لهم على القتال والخروج للأعداء - رجاء أن ينالوا من الغنائم أو الأنفال ما ناله إخوانهم من قبل ، وإن كان ذلك مع الإيمان والرغبة في أن يفدوا الإسلام بأنفسهم ، وجانب المال إن كان بعض الهدف ربما دفع إلى طلبه ، فغلب عند ظن النصر ، ومن أجل ذلك كان المنع من الأسر قبل أن يثخن المسلمون في العدو ، وإذا كان الأسر ممنوعا ، فالجرى وراء الغنائم أشد منعا قبل أن يثبت النصر ، ويستقر . ( الثانية ) أن بعض المقاتلين من جيش المؤمنين بعد تصفيته ، وتنقيته من المنافقين كان لا يزال فيه بعض المترددين الذين لم يعقدوا العزم قويا ثابتا ، فالطائفتان اللتان همتا بأن تفشلا ، لا أستطيع أن أقول أن كل آحادهما عقد العزم ، وأصر على القتال وأراد النصر ، وأنه لا يذهب بقوة الجيش إلا التردد ، فإن كان من بعض آحاده ، نقصت القوة بمقدار تردده . ( الثالثة ) أن اليهود كانوا حول المدينة المنورة ، ولهم ترات ، وقد انضم إليهم المنافقون ، وهؤلاء يكونون عورة من وراء الجيش المقاتل . ولكن قيادة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد ذهبت بكل عوامل الضعف ، واختفت كل عناصر التردد ابتداء ولم يحدث النزوع إلى الغنائم الذي كان مستكنا في بعض النفوس إلا عندما لمع بريق الغنيمة ، وظهرت بوادر النصر ، فلم يكن التتبع للفلول المهزومة من قوات المشركين . هذا بإنصاف حال الجيشين المقاتلين ، وكلمة اللّه سبحانه وتعالى أعلى ، وله وحده العزة ، وأنه ناصر جنده إن استقام على الطريقة ، واتخذ الصبر في الزحف ، والصبر بضبط النفس عدة له ، فإن ذلك هو القوة بعد توفيق اللّه سبحانه وتعالى . وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد أخذ الأهبة وقوى النفوس ، وشحذ العزائم وحقق قول اللّه سبحانه وتعالى فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ .