محمد ابو زهره
613
خاتم النبيين ( ص )
ويظهر أنهم رجعوا عن رأيهم على حسب الزعم الذي زعموه ، ولكن الشورى ليس معناها التردد ، فإن مع التردد الهزيمة ، إذ التردد يترتب عليه عدم العزيمة ، والعزيمة من قوة الجيش . ولقد نبههم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى منع التردد ، وقال في حكمة النبوة « ما ينبغي لنبي لبس لأمة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع ، حتى يقاتل ، وقد دعوتكم إلى البقاء ، فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى اللّه تعالى ، والصبر عند البأس ، إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم اللّه » . مضى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بجيشه من المؤمنين ، وكان عدة المشركين نحو ثلاثة آلاف كما ذكرنا ، بينما كان عدة المسلمين ، وفيهم مرضى القلوب ألفا ، وأراد بعض الأنصار أن يستعينوا بحلفاء لهم من اليهود ، فقد ذكر الزهري أن الأنصار استأذنوا الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الاستعانة بحلفائهم من المدينة المنورة ، فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : لا حاجة لنا فيهم ، لأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أراد أن يكون جيشه ممن يريدون القتال دفاعا عن عقيدتهم ، ولأن اللّه سبحانه وتعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ( آل عمران - 118 ) . وما كان له أن يستعين باليهود في نصرته ، وقد كان بينه وبين بنى قينقاع ما كان مما اضطره لأن يخرجهم ، وكتب اللّه عليهم الجلاء . المنافقون : 416 - نقى اللّه تعالى الجيش الإسلامي من المنافقين فخرج من الألف نحو ثلث الجيش من أتباع عبد اللّه بن أبي ، وأظهر أنه خرج مغاضبا ، لأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يأخذ برأيه ، وكذلك كل مستبد يريد أن يفرض رأيه على غيره ، فهو لا يخلو من نفاق ، وقد يبلغ في نفاقه ما بلغه منه عبد اللّه بن أبي رأس النفاق بين المسلمين ، وكان خروجه ومن معه إعلاما لأهل الإيمان بنفاقهم ، ولقد قال : أطاعهم وعصاني . ولقد كان من أثر دعوته إلى الخروج أن لامه بعض المخلصين ، وهمّ باتباعه بعض المؤمنين فكان ممن لامه ومن معه عمرو بن حزام ، وهو يقول له ولمن معه : « يا قوم أذكر كم اللّه ألا تخذلوا قومكم ونبيكم ، عندما حضر من عدوكم » . فكان من نفاقهم أن قالوا والعدو يساور المدينة المنورة : « لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال » فقال الرجل المؤمن عندما استعصوا عليه : أبعدكم اللّه أعداء اللّه ، فسيغنى اللّه تعالى عنكم نبيه .