محمد ابو زهره

614

خاتم النبيين ( ص )

وقد كان رجوعه سببا في اضطراب بعض المسلمين من المترددين ، وإن لم يكونوا من المنافقين ، فقد همت طائفتان من المسلمين أن تفشلا واللّه وليهما . وهمّ بنو سلمة ، وبنو حارثة أن يعودوا مع من عاد مع عبد اللّه بن أبي ، وكان ذلك من فرط جزعهم من لقاء عدد يفوقهم أضعافا ، وهو مزود بزاد الضغن والعدة ، وقد أثر النفاق في نفوسهم وإن لم يكونوا منافقين . وهؤلاء هم الذين قال اللّه سبحانه وتعالى فيهم : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( آل عمران - 121 : 122 ) . وقد فرح رجال هاتين الطائفتين لقول اللّه سبحانه وتعالى : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما إذ اطمأنوا إلى أنهم لم يكونوا منافقين وإن كانوا مترددين ، لأن اللّه تعالى ولى المؤمنين ، والمنافقون وليهم الشيطان . وإنه إذ خرج هؤلاء كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يعرض عليه صغار المؤمنين الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة ، ولم تكن فيهم مهارة في الرماية ولا قوة بدنية تغنى غناء الرجال ، فقد ثبت في الصحيحين أن عبد اللّه بن عمر عرض على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في أحد فرده ، وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد ، وزيد بن ثابت ، والبراء بن عازب . . . وغيرهم . وقد همّ برد رافع بن خديج وكان في مثل هذه السن ، فقيل له : إنه يحسن الرماية ، فأجازه ، لأنها لا تحتاج إلى قوة في البدن ، ولكن إلى مهارة في إصابة الهدف . وكان سمرة بن جندب قد تقدم أيضا في قريب من هذه السنة فهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يرده ، فقيل : إنه يصرع رافعا ، ويظهر أنه رآه أقوى منه ، فأجازه . مقاعد القتال : 417 - أخذ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يبويء المؤمنين مقاعد القتال ، وقد صفى اللّه تعالى الجيش من المنافقين ، وثبّت المترددين ، فقد قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم داعيا إلى التقوى والصبر ، وأن اللّه تعالى ناصرهم ، كما نصرهم ببدر وهم أذلة ، ومبشرهم به إن صبروا ، فقال اللّه سبحانه وتعالى حاكيا عن نبيه عليه الصلاة والسلام في تثبيتهم في ذلك اليوم وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ