محمد ابو زهره
486
خاتم النبيين ( ص )
الرحمة والمودة و - وقيام دولة الإسلام على أساس الرحمة الشاملة والمودة المقربة ، ومنع البغضاء المنفرة ، ولقد قامت الدولة الإسلامية على أساس الرحمة والمودة ، أما الرحمة فأساسها الرحمة بالأخيار ، لا بالأشرار ، فليست الرحمة في الإسلام : مجرد انفعال نفسي ، بل هي الرحمة بالكافة ، ولقد قال بعض الصحابة للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « يا رسول اللّه أكثرت من ذكر الرحمة ونحن نرحم أزواجنا وذرياتنا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ما هذا أريد ، إنما أريد الرحمة بالكافة » . ولذلك شرعت العقوبات الزاجرة رحمة بالكافة ، فقد قال عليه الصلاة والسلام « من لا يرحم لا يرحم » وإن بعض أنواع الرأفة يشمل في أطوائه أشد أنواع القسوة ، وهي الرأفة بالمجرم ، ولذلك نهى القرآن الكريم عن الرأفة بالزناة ، فقال اللّه تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ، فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ( النور - 2 ) فكان من قانون الرحمة العادل أن يعاقب المذنبون . وإن الرحمة العادلة التي تكون للآحاد ، إنما تكون على الضعفاء من العبيد ، والفقراء واليتامى ، كما قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « أبغونى في ضعفائكم ، إنما تنصرون وترزقون ، بضعفائكم » ، ولذلك أوصى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم برحمة المرأة الضعيفة ، وأوصى بالرحمة بالعبيد ، وأوصى برحمة اليتامى بإصلاح أحوالهم ، ورعاية أموالهم . هذه إشارات إلى مبادئ الرحمة في الدولة الإسلامية التي كونها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بأمر القرآن الكريم . أما المودة فهي قوام الروابط الإنسانية دعا إليها الآحاد والجماعات ، ولذلك عد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم إفشاء السلام الذي هو مظهر المودة ، وإطعام الطعام الذي هو إدامها ، عدهما أحسن الإسلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : « وأحسن الإسلام أن تطعم الطعام ، وأن تقرأ السلام على من عرفت ، ومن لم تعرف » . نعم كان الأمر بالمودة ، وجعلها قوام الأسرة ، كما قال اللّه تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ( الروم - 21 ) . وأوجب صلة الرحم مودة في القربى ، فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « من أراد منكم أن يبارك له في رزقه ، وينسأ له في أثره فليصل رحمه » ، ويقول عليه الصلاة والسلام : « ليس الواصل بالمكافىء ، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة » .