محمد ابو زهره
609
خاتم النبيين ( ص )
يا معشر قريش : « إن محمدا قد وتركم ، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا ندرك منه ثأرا » . فنزلوا عن المال ، ليكون مادة القتال ، وأخذوا الأهبة من الرجال ، وأدوات الحرب ، لأنهم علموا أنها الذلة والخزي والعار ، إن لم يستردوا مكانتهم . اجتمعت كل بيوتات قريش وبطونهم ، ولم يبق أحد منهم الا أخذ الأهبة واستعد للقتال ، وأن يضربوا المدينة المنورة ضربة قاصمة ، وإن لم يقتلعوا الإسلام منها ، فإنهم ينالون مأربا وثأرا ، ويستردون شرفا ويدفعون عارا . وضموا إليهم كنانة وتهامة ، وأحباشا كثيرة ممن لهم دربة في القتال بالرماح ، وكان منهم وحشى قاتل أسد اللّه حمزة الذي منى بالعتق إذا قتل حمزة الذي كان سيفه البتار يهد قريشا هدا ، فما ذهب ليقاتل ، ولكن ذهب ليترصد حمزة ، لا ليواجه الجيش ، فكأنه ذهب للاغتيال ، لا للقتال . ولم يكتفوا بمن استعانوا بهم من قبائل حول مكة المكرمة وأحباش ، بل استعانوا ببعض المشركين من الأوس في يثرب لأن لهم أحقادا كأحقادهم ، ولم يرضوا النفاق أو لم يظهروا به ، فقد روى قتادة أن أبا عامر بن صيفي أخا بنى ثعلبة ، وكان قد خرج من مكة المكرمة مباعدا لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومعه خمسون من غلمان الأوس ، وكان قبل قدوم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتوهمت قريش أو أوهمها أنه إن لقى قومه ، لم يختلف عليه أحد . وقد اجتمع بذلك نحو ثلاثة آلاف ، ومعهم مائتا فرس عليها مائتا فارس وكان خالد بن الوليد على مائة جعلها يمين الخيل ، وعكرمة بن أي جهل على مائة جعلها على ميسرة الخيل ، وإنهم رأوا أن محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، إنما يقاتل بحمية الدين ، ومؤيدا بروح معنوية تفوق قوة العدد والعدة وتتغلب على الصعاب ، فرأوا أن يكون معهم المحرض المعنوي ، وهو أن يكون نساؤهم معهم ، بحيث يستحون أن يفروا أمامهن ، وأن يؤخذن سبايا . فخرج أبو سفيان بن حرب ، وهو القائد بزوجه هند بنت عتبة ، وكان لها ثأرات ، قتل ابنها وأخوها وأبوها ، وخرج عكرمة بن أبي جهل ومعه زوجه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة . . . وهكذا كثيرات من عقائل القوم ، وذوات الشرف في قريش ، ليكون خروجهن محرضا على الجلاد ، ومانعا من الفرار ، وجملة القول في ذلك أنهم تزودوا بالعدد ، وبالسلاح والكراع ، وبالمحرضات كلها ، لأنهم يعلمون أنهم أمام خصم مزود بكل قوى النفس والإيمان الذي فقدوه .