محمد ابو زهره
606
خاتم النبيين ( ص )
الذي كان يثير الحرب جذعا هو واحد وقتل واحد شرير خير من قتل جماعة في ميدان الحرب ، فهو كان يحرض على الحرب . قالوا إن القتل كان غيلة ، ونحن نقول في ذلك إن الرجل جاهر بالعداوة ، وشبب بنساء المسلمين ، وحرض اليهود على الانقضاض على المؤمنين ونكث العهود . ولم يكتف بذلك ، بل ذهب إلى مكة المكرمة ، وأثار الأحقاد ودعا إلى أن يقاتلوا محمدا عليه الصلاة والسلام . فعل كل ذلك جهارا نهارا ، فإذا لم يتوقع من محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه يتربص به الدوائر الدائرة ، وأنه يريد أن يقضى عليه ، لأنه مادة الشر ولسانه ، إذا لم يقدر ذلك فهو أبله ، ولم يكن كذلك فمحمد عليه الصلاة والسلام أمر بقتله في وقت كان هو يتوقع ذلك ، أو ينبغي أن يتوقع ذلك ولا يعد القتل غيلة لمن يتوقع القتل ، إن قتل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يشبه من يعلن عن شرير بأنه ارتكب آثاما كثيرة ، وأن من أحضره حيا أو ميتا ، فله جزاء . إننا فرضنا أن الحكمة والعدالة والأخلاق توجب التخلص منه ، وإذا لم يجز التخلص منه بالطريقة التي حدثت وهي الخديعة ، فكيف كان يمكن التخلص ، أيحضره من ينتمى إليهم فيقدمونه للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، إنهم لا يفعلون ذلك ، ولم يوجد من يتحمل تبعة عمله وما يفعل ، وإذا لم يكن ذلك أيأمر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بإحضاره بين يديه والحكم عليه بالقتل ويتولى قتله ، وما الفرق بين هذا ، وبين ما كان من حيث المعنى . إن قتله كان أمرا لابد منه لما قام به ، ويقوم به رئيس الدولة العادلة التي يحكمها ذلك الحاكم العادل ، فإنه لا سبيل لدفع فساده وإفساده إلا بقتله بأي طريق كان القتل ، وكل ما فعله النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه أباح دمه ، جزاء ما ارتكب ، ومنعا لاستمراره في غيه ، فقد كان يقوم بجريمة مستمرة غير متحرج ، فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان مخيرا بين أمرين إما أن يقتله ، وإما أن يتركه يرتع في جريمته ، فاختار أسلم الأمرين ، اللذين لا مناص من اختيار أحدهما . وإن أولئك الذين يثيرون الشك حول أعمال محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وحول رسالته السماوية التي كانت رحمة للعالمين - يقولون إن الرسالة السماوية تتنافى مع القتل غيلة ، بل تتنافى مع أصل القتل ، كما كان من عيسى عليه السلام الذي يروون أنه قال : « من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر » .