محمد ابو زهره

607

خاتم النبيين ( ص )

ونقول في الجواب عن ذلك ، إن قمع أعداء الدعوة الدينية لا يتنافى مع الرسالة ، فموسى عليه السلام وهو من أولى العزم من الرسل ، قد قتل بيده ، وقاتل ، ودعا بني إسرائيل إلى القتال ، وما تنافى ذلك مع رسالته الإلهية التي نزلت بها التوراة ، وهي كتب العهد القديم المقدسة عند اليهود والنصارى معا . ويحسبون أن الرحمة النبوية تمنع القتل والقتال ، ونقول في ذلك إن القتل المشروع يكون بباعث من الرحمة ، فليست رحمة النبوة انفعالة رعناء تكون على موضع البرء والسقم ، إنما رحمة النبوة تكون بالكافة ، ومن الرحمة بالكافة أخذ المذنب بذنبه ، ومنع الفساد في الأرض ، قال اللّه سبحانه وتعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( البقرة - 251 ) والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول : « أنا نبي المرحمة ، وأنا نبي الملحمة » ، وملحمته نابعة من مرحمته ، وكثير من العفو يكون مشتملا على أقسى العذاب ، وهو العفو عن الجاني الذي لا رجاء في صلاحه . والنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قد اشتملت شريعته على العفو في الأمور التي لا يعود العفو فيها بالشر على الجماعة ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( النحل - 126 ) . فالصبر عن أخذ الجاني بجريمته إنما يكون في الاعتداء على الآحاد الذي لا يتعدى الأمر فيه إلى الجماعة ، وقول اللّه سبحانه وتعالى : خُذِ الْعَفْوَ ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ إنما هو في الأمور الشخصية التي لا يعود ضررها على الكافة ، يقول اللّه سبحانه وتعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ، وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( فصلت - 34 : 36 ) وهذا واضح أنه في الأمور التي تمس الشخص ولا تصل إلى الجماعة ، وكلام النصارى الذي ينسبونه إلى المسيح عليه السلام إنما هو في الأمور التي لا تمس إلا الشخص . وإذا فهموه على أوسع من ذلك ، فلكل شرعة ومنهاج ، واللّه ولى الرشاد .