محمد ابو زهره

585

خاتم النبيين ( ص )

اجتذبوهم إلى النفاق ، فانجذبوا إليه ، وكان منهم منافقون ، والنفاق يسكن القلوب الحاقدة الحاسدة الضعيفة المستكينة ، فكان أوّل أثر مرير من آثار تلك الغزوة المباركة أن ظهر النفاق ناتئا برأسه ، ويفت في جماعات المسلمين ، ويعملون على تفريق صفوفهم ويشتد أثر النفاق في مدة الحروب ، حيث تشتجر السيوف ، وتلتحم الأجسام . ففي غزوة أحد التي كانت في السنة الثالثة ، كانوا يبثون في جيش المسلمين روح التمرد والهزيمة ، ويأخذون قلوب الضعفاء من المؤمنين يبثون فيها الذعر والخوف ، حتى همت طائفتان من جيش الإسلام أن تفشلا ، كما قال تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ، تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ، وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( آل عمران 121 : 123 ) . وهاتان الطائفتان كانتا من المنافقين ، وضعاف الإيمان ، فإذا كان المؤمنون في غزوة بدر قد دخلوا وقلوبهم مستبشرة ، فقد دخلوا في غزوة أحد ، والمنافقون يبثون فيهم روح التردد والعجز ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى عليه نصر المؤمنين إن لم يأخذوا في أسباب الهزيمة ، وإن استقاموا على الطريقة ، ولم يخالفوا ، وأنه إذا كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يعيش في المدينة المنورة والمؤمنون من أصحابه يحيط بهم أولئك المنافقون والمفتونون والحاسدون ، فإنه يجب عليه الحذر منهم ، وقد نفذ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ذلك بأمر ربه ، ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ، وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ ، وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها ، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( آل عمران 118 : 120 ) ، وهكذا نجد حقد اليهود وصدهم قد أفسد النفوس ، وفرق ما بينهم وبين أهل الإيمان . ولم يقفوا عند حد العمل على إفساد العلاقات الاجتماعية بين الناس ، ومحاولة إضعاف الإيمان ، وإغراء غير المؤمنين بالنفاق ، حتى شاركوهم ، بل كانوا يحاولون التشكيك في قلوب المؤمنين ، لأنهم يودون أن يكفروا حسدا من عند أنفسهم .