محمد ابو زهره

483

خاتم النبيين ( ص )

الكرامة وإن دولة الإسلام التي ألفها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في المدينة المنورة تدعو إلى تكريم الإنسان . لأنه إنسان لا لكونه شريفا نسيبا ، ولا لكونه أبيض أو أسود ، ولا لكونه مسلما ، بل للإنسانية فيه ، ولقد قال اللّه تعالى في ذلك ، لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ، وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا . وكرم اللّه تعالى الرقيق ، ودعا القرآن الكريم إلى عتقهم ، ومنع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يذل المالك من يملكه ، أو يرهقه بأن يكلفه ما لا يطيق ، وروى الإمام أحمد أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال « من لطم عبده ، فكفارته عتقه » وقد سوى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بين نفس الحر ، ونفس العبد ، بل سوى بين نفس العبد ، ونفس مالكه . فقال عليه الصلاة والسلام « من جوع عبده جوعناه ، ومن قتله قتلناه » . العدالة ( د ) وأوجب القرآن الكريم العدالة بكل ضروبها ، وعدها عنوان الإسلام ، ويروى في ذلك أن أكثم بن صيفي لما بلغته دعوة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أرسل بنيه ليعرفوا دعوته عليه الصلاة والسلام ، فتلا عليهم قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 - النحل ) . وإن العدالة مطلوبة على الولي والعدو على سواء ، ولذلك قال اللّه تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ( 8 - المائدة ) . فالعدل حتى مع العدو المشنوء أقرب للتقوى . والعدالة في مضمونها تشمل ما يسمى العدالة القانونية ، وهي أن يكون القانون الذي يحكم به الناس واحدا ، وأن يكون تطبيقه على الجميع واحدا ، فلا يضار الفقير في تطبيقه ، ولا يحابى الغنى في معاملته ، وأساسه المساواة في التطبيق . ولذا قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى » . ولقد تأسى بهدى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، أبو بكر إذ قال : « القوى منكم ضعيف ، حتى آخذ الحق منه ، والضعيف منكم قوى حتى آخذ الحق له » . وتشمل العدالة في مضمونها العدالة الاجتماعية بأن يمكن لكل إنسان من أن يعيش عيشة كريمة غير مقطوع ولا ممنوع ، وأن يمكن من استغلال مواهبه فيما يفيد شخصه ، وجماعته ، وأن تهيأ الفرص لكل إنسان أن يعمل بطاقته جسمية كانت أو عقلية .