محمد ابو زهره
484
خاتم النبيين ( ص )
وليس معنى العدالة الاجتماعية محو الفقر وإذابته ، فإن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان في الوجود ، لا يمكن محو أحدهما ، أو إذابته ، كما جاء التعبير على لسان بعض الناس . إنما العدالة الاجتماعية ، تقتضى محو التفرقة بين الطبقات ، وأن يسيطر ناس بحكم الطبقية ، وأن يستطيل غنى على فقير بحكم غناه ، ولا نسيب على ضعيف بحكم نسبه ، إنما الجميع سواء أمام القانون الإسلامي السامي في معناه ، وتطبيقه . ولا بد أن تتوافر العيشة الكريمة لكل مؤمن ، والدولة الإسلامية المباركة تتكفل بالعاجزين ، عملا بقوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم « من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك ضياعا ، فإلىّ وعلىّ » . ويشمل مضمون العدالة الدولية ، وهي تقوم على ثلاثة مبادئ متقررة في حكم القرآن الكريم ، وبعمل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهي الوفاء بالعهد ، والمعاملة بالمثل من غير أن يجارى الأعداء في انتهاكهم لحرمة الفضيلة ، فإذا قتلوا النساء والذرية لا نجاريهم ، وإذا انتهكوا حرمات الفضيلة لا ننتهكها ، لأن دين العدل والفضيلة لا يجارى الناس في ماثمهم . وثالث الأمور في العدالة الدولية أن الأساس في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم ، حتى يكون اعتداء أو استعداد للاعتداء ، أو محاربة لحرية الاعتقاد ووقوف ضد الدعوة الإسلامية التي تدعو إلى أن يكون الدين كله لله تعالى ، بحيث لا يفتن مؤمن ، ولا يعتدى على اعتقاد . التعاون ه - وقامت الدولة الإسلامية على أساس التعاون ، فقال اللّه تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وإن كل جماعة نظمها الإسلام تقوم على أساس من التعاون ، فالتعاون في الأسرة هو قوامها ، فالمرأة هي السكن : وهو الحمى ، والآباء والأبناء يتعاونون في شدائد الحياة ، ويشتركون في سرائها . وإذا تجاوزنا الأسرة إلى المجتمع الصغير المكون من الجيران وأهل الحي وأهل القرية ، وجدنا التعاون قوام الترابط بينهم . وقد أوصى صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالجيران ، وأمر القرآن الكريم بالإحسان إلى الجار ذي القربى ، والجار الجنب ، والجار في العمل ، والجار في السفر . وإذا تجاوزنا المجتمع الصغير من الجيران وأهل الحي أو القرية واتجهنا إلى مجتمع الأمة أو الشعب ، وجدنا التعاون دعامة بنيانه ، تتعاون كل طوائفها في جهودها المختلفة في رفع شأنها ، وكأن تلك الجهود أنهار مختلفة تلتقى عند مصب واحد ، لا يذهب فيه الماء هدرا ، بل ينتج الخصب وأطيب الثمار . فكل طائفة قوة في ذاتها ، فمهرة الصناع قوة ، ومهرة الزراع قوة متعاونة ، والعلماء يمدون الجميع بالمعارف ، فتعمل كل القوى متعاونة متضافرة .