محمد ابو زهره

581

خاتم النبيين ( ص )

لقد كان رجل من شيوخ اليهود ، وذوى الضغن والحسد اسمه شماس بن قيس ، قد هاله أمر محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وما أكرمه اللّه سبحانه وتعالى به من نصر في بدر ، وهاله أن الأوس والخزرج اجتمعوا ، وكانوا يعيشون على الفرقة بينهم ، فيوالون فريقا على فريق ، ويتخذون ممن يوالونهم قوة يثبتون بها أقدامهم ، فلما رأوا اجتماعهم بالإسلام ، فقال شماس : هكذا اجتمع بنو قيلة بهذه البلاد واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار . قدر ذلك الشيخ الخبيث ودبر ، فوجد أن يثير الخلاف القديم جذعا ، فأثار ما كان يوم بعاث ، وهو الذي كان بين الأوس والخزرج ، وانتصر فيه الأوس ، وكانت بيعة العقبة الأولى ، ثم الثانية . أثار الأمر في هذا اليوم بين الأنصار رضى اللّه تبارك وتعالى عنهم ، وفيهم ضعاف العقول يستطارون فتكلم هؤلاء وتنازعوا ، وتفاخروا ، واشتدت المجاوبة فتواثب رجلان من الحيين ، واحد من الأوس والآخر من الخزرج ، وقال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددناها الآن جذعة ، فغضب الحاضرون من الفريقين ، واتفقوا على مكان يكون فيه اللقاء ، وقالوا : موعدكم الظاهرة . بلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فعلم أنها فتنة يهودية ، وخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم ، فقال : « يا معشر المسلمين ، اللّه اللّه ، أبدعوى الجاهلية ، وأنا بين أظهركم ، بعد أن هداكم اللّه تعالى للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع عنكم به أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف بين قلوبكم » . أدرك أنصار اللّه سبحانه وتعالى ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا ، وعانق بعضهم بعضا - ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم سامعين مطيعين موفورين . ورد اللّه سبحانه وتعالى كيد الكافرين من اليهود في نحورهم . وأنزل اللّه سبحانه وتعالى في اليهود قول اللّه سبحانه وتعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً ، وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( آل عمران - 99 ) . وأنزل اللّه سبحانه وتعالى في المسلمين الذين انساقوا وراء شر اليهود : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ . وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ