محمد ابو زهره

482

خاتم النبيين ( ص )

رأى عام ج - وقامت الدولة الإسلامية التي أقامها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم تنفيذا لحكم اللّه على تكوين رأى عام فاضل . ولذلك حث الإسلام على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، واعتبرهما عنوانا للأمة الفاضلة ، وإذا كان الرأي العام الذي قام في مكة المكرمة كان وثنيا ، ولذلك حارب الوحدانية وأباح الخبائث . فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بهداية القرآن الكريم والوصايا الإلهية اتجه إلى تكوين رأى عام فاضل يقوم المعوج ، ويمنع الخبائث ، ولقد قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ( 110 - آل عمران ) ، وبين أن اللعنة تكون على الذين يفسدون الرأي العام فيها فقال تعالى : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ ، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ . كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 78 ، 79 - المائدة ) . وفي سبيل تكوين رأى عام فاضل ، أوجب على كل مؤمن أن يستنكر الشر ، ويستهجنه ، ولا يقره ويستحسنه ، وإلا اضطربت أمور الجماعة ، وهوت سفينة الحياة . ولذا قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « مثل المدهن في حدود اللّه مثل قوم استهموا في سفينة ، فصار بعضهم في أسفلها ، وبعضهم في أعلاها ، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذي في أعلاها ، فتأذوا به ، فأخذ فأسا ينقر به أسفل السفينة ، فأتوه ، فقالوا : مالك ؟ قال تأذيتم ولا بد لي من الماء ، فإن أخذوا على يديه أنجوه ، ونجوا بأنفسهم ، وإن تركوه أهلكوه ، وأهلكوا أنفسهم » . وإن الرأي العام الفاضل الذي أراد الإسلام أن يتكون هو الذي يمنع الظلم ، ويقيم العدل ، ولذلك يقول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يدي الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو ليضربن بقلوب بعضكم على بعض ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم » . وإن الرأي العام الفاضل تسوده الفضيلة ، وتقتل فيه الرذيلة ، فلا تظهر ، ولذلك يحث النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم على الحياء الذي يجعل صاحبه لا يظهر أمام الناس إلا بالخير . فيقول عليه الصلاة والسلام « الحياء خير كله » ويقول عليه الصلاة والسلام « لكل دين خلق ، وخلق الإسلام الحياء » . وإن الجماعات الإنسانية التي انحرفت ، وسادتها الرذيلة ، أول مظاهرها فقدان الحياء ، وكذلك يدعو المسرفون على أنفسهم ، وعلى أقوامهم ، إلى هجر الحياء وإظهار الرذيلة ، ويسمون ذلك بأسماء ما أنزل الله تعالى بها من سلطان .