محمد ابو زهره

58

خاتم النبيين ( ص )

فهي أصلح مكان لأن ينبعث منها الدين الجديد الخالد إلى يوم القيامة حيث يلتقى العرب جميعا فيها ، وحيث الأمن والسلام فيها ، وحيث القدسية التي تملأ النفوس تنبعث من أرضها ، وحيث دار الندوة التي يتشاور فيها العرب أجمعون . وكان المكان أصلح الأرض ، لأن تغرس فيه أغراس الدين الجديد وأن يؤتى أكله . والعرب أصلح الجماعات لأن يحملوا عبء الدعوة إليه ، والدفاع عنه وحمايته من سطوة الملوك ، وطغيان الجبارين حول العرب ، ومن ورائهم فهم أهل البأس والنجدة . ولغة قريش في مكة أصلح اللغات لأن ينزل بها القران الكريم الذي أعجز العالمين عن أن يأتي أحد بمثله ، فالمكان صالح لأن يبعث رسول الله طهرا ، وثقافة وقوة بأس ، وجلادا ، ولغة ، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ « 1 » . الزمان : 48 - إذا كان المكان الذي اختاره الله تعالى لخاتم النبوة مكانا يدرك العقل البشرى صلاحيته ، ويعلم بالاختيار مكانته ، فإن الزمان قد تهيأت فيه الأسباب لدين يجمع الإنسانية ، ويهديها ، والقلوب قد فرغت ، وأصبح العالم في حاجة إلى هداية من السماء ، إذ قد صار الناس على فترة من الرسل ، فالديانة السماوية حرفت ، وانحرف تابعوها ، وغيروا وبدلوا وحولوها عن غايتها ، وبعدوا عن الحق فيها . والأوثان قد تزايلت قوتها وضعفت مكانتها ، وأدركت العقول موضع الوهم فيها ، فالهة اليونان قد زالت الأوهام التي تحيطها ، والأوثان الرومانية تكشف للناس أنها أحجار لا تنفع ولا تضر ، وأنها ليس فيها سر يمنع أو يمنح ، يضر أو ينفع ، يشفى أو يسقم ، وعلى فرض أنها لم تذهب الأوهام حولها ، فهي خرافات يجب إزالتها ، وفساد في العقول يجب إصلاحه . وكانت الإمبراطورية الرومانية تعبث برعاياها ، وتفرض عليهم طاغوتها ، وهم لا حق لهم يستطيعون به تقويمهم ، والنفوس قد ضلت وزلت ، ولكنها لم ترض وتطمئن ، فهي هالعة جازعة ، لأنها كانت تفرض على الشعب دينها وإن كان لا يرتضيه ، وتفرض عليه عقائد لا يؤمن ولا يرضى بها ، كما كانت الحال في الشعب المصري الذي فرض عليه دينها ، أو عقيدتها ، كما فرض عليه سلطانها ، وجعلتهم عبيدا أو كالعبيد . والرومانيون في داخل أرضهم ، وفي الشعوب التي منيت بحكمهم ، كانت التفرقة بين الناس عندهم واضحة جلية .

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 124 .