محمد ابو زهره
59
خاتم النبيين ( ص )
كانت التفرقة أولا ، من حيث تحكم رجال السلطان في الرعية ، واختصاصهم بالمال يجيء إليهم من الغنائم التي يغتنمونها في الحروب ، وحرمان بقية الرعية من المال والسلطان معا ، والناس لا يشقون لالام ذاتية فقط ، وإن كان الحرمان في ذاته يحدث ألما نفسيا ، ولكنهم يألمون من ذلك ، ومن رؤية النعمة في يد غيرهم يرتعون ويلعبون ، ويعبثون ، ولا حق لأحد في أن يعترض عليهم أو يلومهم ، أو يوجه إليهم نقدا . والتفرقة من الناحية الثانية في أن الشرف كل الشرف لطبقة الأشراف والمهانة كلها في الطبقة المحكومة ، والشريف الروماني يعلو على كل احاد الرعية من الضعفاء . والرق في أرض الرومان كانت تتكاثر أسبابه ، حتى إنه يسوغ لأي إنسان يرى شخصا من أي شعب أن يسترقه ، والحكم للقوى في العلاقات الإنسانية كلها ، وكأن أرض تلك الدولة أجمة يفترس قويها ضعيفها . والأحكام بين الناس تسير على مقتضى تلك النظم المقيتة التي تفرض التفرقة بين الناس . والمرأة عندهم أمة لأبيها قبل الزواج ، وأمة لزوجها في بيت زوجها ولو قتلها لا عقوبة عليه . وهكذا ترى نظاما اجتماعيا أهدرت فيه الحقوق الإنسانية الأساسية التي تثبت للإنسان بمقتضى أنه إنسان . وشاع الفساد ، وظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس . كان لابد من تغيير لهذه الحال ، ومن إصلاح لهذا الفساد ، لأن الله لا يحب الفساد ، والله لا يريد ظلما للعباد ، فلابد من أن يكون من يغير هذه النظم ، وليس في الناس من يغير ، ويبدل بالفساد صلاحا ، وبالضلالة هدى ، ولا يكون من الإنسان لأن ابن الأرض ترك لأخيه الإنسان فأكله أو أذله ، أو أهدر إنسانيته ، لابد من رسالة السماء تكون في أرض تصاقب الرومان ، وهم ذوو بأس وقوة . 49 - وإذا تركنا غرب الجزيرة العربية وشمالها ، واتجهنا إلى شرقها وجنوبها ، فإنا نجد أرض فارس ، وما فيها من انحلال سياسي وظلم ، وانحلال اجتماعي ، وانحلال في الأسرة ، وظلم في الحكم ، نجد كسرى يعتبر الشعب كله عبيدا أو كالعبيد ، ومن حوله من رؤساء ودهاقين يسوغون ذلك للناس ، ولا يكادون يسيغونه ، وأن العقائد المختلفة التي تواردت على العقل الفارسي جعلته في متاهات فكرية يضل فيها الساري ، وتظلم النفس ، والطبقية التي سرت إليها من الهنود الذين على مقربة منها حلتها اجتماعيا وإن كانت لم تصل إلى مثل ما كان عليه الهنود . والأسرة كانت غير قائمة على أسس قوية وسليمة ، فقد كان الولد يتزوج أمه وأخته ، ويتزوج الرجل ابنته ، وغير ذلك مما يضعف النفس في العلاقة الزوجية ، وينحدر به الإنسان إلى أحط من الحيوان ، وكان مذهب مزدك الذي جاء في اخر الحكم الفارسي الذي حل