محمد ابو زهره
57
خاتم النبيين ( ص )
المقدسة التي كتب لهم أن يدخلوها وإن لم يقيموا فيها : قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ « 1 » . ولقد فهم بعض الكتاب أن المواحدين كانوا في الساميين فقط ، وجاء بعض الأوربيين ، وعلل ذلك بأن العقل السامي عقل سطحى ، لا يفهم من العقيدة إلا التوحيد ، ولا يتصور المعنى الفلسفي في التثليث ، وهذا الكلام يأتي على عقيدته بالنقض ، لأن عقيدته المسيحية جاء بها سامى ، فلابد أن يكون ما أتى به ، وما دعا إليه يتفق مع السامية التي لا تهضم فلسفة التثليث وأن يكون التثليث الذي نسب إليه لا تشتمل عليه دعوته ، ولا تدعو إليه رسالته ، وليس ما اشتملت عليه عقيدته . على أن العقل الارى قد اعتنق الواحدانية في أصل الديانة البرهمية التي جاءت بها القبائل الارية ، فدعوى الاقتصار في الواحدانية على العقل السامي يأتي على أصل التثليث بالنقض ، وينتهى بأن التثليث من أوهام الفلاسفة ، وليس من عقائد الرسل . ولعل ما ذكرنا من أن القبائل الارية التي جاءت تحمل الديانة البرهمية من بوادي آسيا ، قرينة على أن الرسائل الإلهية ، إنما تنزل في الأرض التي تكون بادية قريبة من المدائن ، أو تكون في طريق القوافل ، فقد جاءت إلى الهند التي كانت مملوءة بالأنهار والأحراش ، وفيها تحضر نوعا ما ، ولم يكن فيها صفاء البادية ، وبأسها ، وقوتها وسذاجتها ، وسلامة فطرتها ، ولذلك سرعان ما حرفت العقيدة إلى الصورة التي جاءت بعد ذلك من نظام الطبقات الظالم . وقد أشرنا من قبل إلى أن الرسائل الإلهية غير محصورة ، وأن الله تعالى ذكر أنه لم يقص في القران أخبار كل النبيين ، فقد قال تعالت كلماته : مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ « 2 » . وسيتبين عند الكلام في البشارات التي بشرت بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن من البشارات ما جاء في كتاب الفيدا الذي هو أعلي مصادر الديانة البرهمية ، وبينا في وضوح أنها في أصلها ديانة توحيد ، كما جاءت بالفيدا النصوص الدالة علي ذلك مما يدل علي أنها ديانة منزلة ابتداء ، وإن انحرف عنها القوامون عليها ، وشاهت إلي الحال التي الت إليها من عصور سابقة ولا تزال قائمة إلي الان . 47 - من هذا البيان الموجز يتبين أن البيئة الطبيعية بمكة وما حولها وما لها من مزايا امتازت بها كانت من المرشحات لأن تكون موطن النبوة وموطن خاتم النبيين ، فإذا كانت النبوة قد ابتدأت بإبراهيم أبي الأنبياء وإسماعيل ابنه ، فإن ختام النبوة في العالمين كانت بها أيضا ، برجل من ولد إسماعيل .
--> ( 1 ) سورة المائدة : 26 . ( 2 ) سورة غافر : 78 .