محمد ابو زهره
56
خاتم النبيين ( ص )
العلوم وما يتصل بها من فلسفات سواء أكانت حقا أم كانت باطلا تملؤها ، وإذا جاء الدين الجديد كانت المصارعة بين ما ألفوا ، وما جدلهم ، وأقل أبواب المصادمات المجادلة ، والمجادلة مع المتعصبين تضيع فيها الحقائق ، ولا يبدو جوهرها نقيا صافيا . وإن الأفكار العلمية ولو خطأ تركز في النفس ، والتقاليد المستحكمة المسيطرة تشتد حتى تصل إلى أغوارها فلا يسهل الوصول إلى اقتلاعها . وقد يقال إن أهل البادية لهم عادات وتقاليد ، كما أن أهل الحضارات لهم ذلك ، ونقول في الجواب عن ذلك : إن تقاليد البدو لا ترتكز على عناصر فكرية تتغلغل في الأذهان ، وتسيطر على القلوب كالأفكار والآراء في بلاد الحضارات ، وما يكون في دائرة العمل من غير تغلغل في النفس لا يكون راكزا ثابتا ، كالذي يكون منشؤه التفكير العميق . ( ج ) وإن التجارب قد أيدت ذلك ، فإن الدين الجديد يسهل دخوله في البادية الصافية نفوس أهلها . ( د ) وإن أي دين لابد له من ناس يحملونه ، ويسيرون به ، وأهل البادية الذين يكون عندهم نوع من التفكير والرقى النفسي يكونون أقوى نفسا ، وأشد جلادا ، وأكثر احتمالا ، ولقد قرر الاجتماعيون أنهم هم الذين يحملون أعباء الجهاد في سبيل ما يعتقدون ما دامت أوضاع الحضارة لم تصب قلوبهم . بل فيهم بأس وقوة احتمال . وإن الشواهد قائمة ، فإننا نجد الأديان التي جاءت برسل أوحى إليهم من السماء كان بعثهم في الأرض التي تكون بين الحضارة والبداوة ، وكان التابعون دائما من أهل البأس والقوة الذين عاشوا في الصحراء ، وقاوموا لأواءها ، ولم يكونوا من أهل المدن التي أصيبت بطراوة التحضر . واعتبر ذلك بموسى عليه السلام ، فقد أرسل إلى قوم فرعون ، ولكن ما نزلت عليه الرسالة إلا في أرض مدين المتاخمة لحدود الشام ، وما وجد الذين يستجيبون له من أهل مصر ، وما كانوا هم الذين حملوا عبء التبليغ من بعده ، وحمله غيرهم . ولقد كان بنو إسرائيل أضعف في نفوسهم من أن يحملوا عبئها من بعده ؛ وذلك لأنهم مردوا على أخلاق المصريين وإن لم يكونوا منهم ، فكان لابد من أن يتربوا على البأس في البادية ، ليستطيعوا حملها ، ولذلك قال تعالى لموسى عليه السلام إذ أمرهم نبيهم موسى عليه السلام أن يدخلوا الأرض