محمد ابو زهره

50

خاتم النبيين ( ص )

هوادة ، من غير هوان ، فقال ذلك القيل : « مالي أرى هذا الغلام ينظر إليكم تارة بعيني لبؤة وتارة بعيني عذراء خفرة ، والله لو أن نظرته الأولى كانت سهاما لانتظمت أفئدتكم فؤادا فؤادا ، ولو أن نظرته الثانية كانت نسيما لأنشرت أموآتاكم » . ومكة فوق ذلك لها المكانة في التاريخ الديني القديم ، فقد ذكرت في الديانات القديمة ، واليهودية والنصرانية . وقبل أن نخوض في ذلك نتكلم في ناحية حول حال مكة المكرمة . أول بناء في مكة المكرمة وبلوغها هذه المنزلة : 42 - وإن مكة قد صارت مطمع امال العرب ، لما ذكرنا من معان دينية وقومية وثقافية وتجارية ، ولكن لابد من معرفة وقت قدسيتها ، ونيلها هذه المكانة بين العرب ، وإن ذلك أمر لابد منه في دراستنا عن النبي الذي ظهر في هذه المدينة . واتصالها بماضيها القريب والبعيد . كان مكان مكة وسط البلاد العربية ، وقد ذكر ياقوت الحموي وضعها في كتابه « معجم البلدان » فذكر أنها بقعة من الأرض تحيط بها الجبال الجرداء من كل جوانبها ، وينفذ من بين هذه الجبال المحيطة ثلاثة مسالك ، أحدها سلك بها إلى طريق اليمن ، ويصلها الثاني بطريق جدة حيث سيف البحر ، ويكون مرفأ جدة ، ويصلها الثالث بطريق الشام ، حيث يمر بيثرب ، وبذلك يتضح اتصالها منذ القدم ، وإن كانت الشقة بعيدة . وقد كانت البقعة التي أنشئت فيها تلك المدينة التي تتوسط البلاد العربية ، ملتقى القوافل ، ومنتجعها في السفر ، حيث تأوى وتستريح بين جبالها حيث كان في الوادي حول هذه البقعة ماء العيون ، وكان بجوارها أو على قرب منها أماكن منثورة ، كان يلوذ بها التجار بقوافلهم . وإن إبراهيم عندما أوت إلى هذه البقعة هاجر جاريته وولدها إسماعيل وألهمه الله تعالى بناء الكعبة ، التي كانت أول بيت للعبادة ، كما تلونا من قبل ، وإن إنشاء ذلك البيت المقدس هو الذي أدى إلى تكوين المدينة ، وإن هذا تصوير للوقائع التي حدثت ، والتي ذكرها القران الكريم في محكم التنزيل . وإن في التاريخ ما يدلنا دلالة راجحة على ابتداء بناء المدينة ، وإن معرفة ابتداء المدن في ذلك الماضي السحيق لا يمكن أن يكون على وجه جازم أو راجح ، فإن المدن لا توجد مساكنها في أمثال هذه العصور البعيدة التي تنشأ في الصحراء ، ولم تكن في أرض لها حكومة ثابتة قائمة ، تنشىء وتخطط ، وتبنى وتهندس ، إنما الذي يتصور أنها ابتدأت ببناء المسجد ، ثم تدرجات ، ثم أخذ الزمان يزيدها بناء ، والعمران يدخل إليها