محمد ابو زهره

49

خاتم النبيين ( ص )

ولرغبة العرب البيانية قد اتخذ الشعراء من هذه الأسواق سوقا لترويج شعرهم ، فكانت الأسواق فيها الزاد المادي ، وفيها الزاد البياني . وقد قال الله تعالى في روح قريش التجارية لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ . رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ « 1 » . ( و ) ويجب أن يذكر في هذا المقام أن الوثنية سادت العرب ، فنسوا دين إبراهيم ، ودين هود وصالح وغيرهم وسرت فيهم الوثنية سريان النجاسات في الماء الطاهر القراح ، ولعل قريشا في مكة اخر من دخل في الوثنية ، كما تحدث أخبار العرب ، فالوثنية سرت إليهم من غيرهم ، ولم تنبعث من أرضهم ، ولكنها موجة من الموجات التي كثرت في ذلك العصر ، وما سبقه ، حتى لقد حسب بعض الناس أنها موجة من التفكير الديني سرت في العرب ، ووفدت إليهم من حولهم ، وجاءت إليهم من أرض غير أرضهم . وقد أشرنا من قبل إلى أن العرب وخاصة قريشا لم يكن إيمانهم بالأوثان إيمانا متغلغلا في النفس ، إذ أنه كان مع الاعتقاد في الأوثان اعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق الكون ، وبقية من تعاليم إبراهيم عليه السلام ، فمناسك الحج كانوا يقومون بها على اختلاف أو انحراف ، وألفاظه الموروثة كانت تردد على تحريف يقرب من وثنيتهم . وكون بقايا من ديانة إبراهيم فيهم كان يجعلها موضع الرسالة ، وإذا كانت الوثنية قد قاومت التوحيد الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فما كانت كلها من أجل الاعتقاد ، بل من تسلط العصبية الجاهلية ، والمنافسة في الشرف بين بطون قريش وأفخاذها ، كما سنبين إن شاء الله تعالى عندما نتحدث في مقاومة الشرك للواحدانية ، وذلك بمقاومة زعماء مكة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . كانت مكة جماع العرب ، فكانت بها دار الندوة التي تجمع أقيال العرب وكبراء القبائل ، من شتى الجزيرة ، من اليمن جنوبا إلى الغساسنة بالشمال ، فإذا أهم العرب أمر واحتاجوا إلى أمر جامع لا يجدون مثابة تجمعهم إلا دار الندوة في أرض مكة المكرمة ، وكانت الرياسة فيها لقريش ، وأقربهم كان من جدود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان عليه الصلاة والسلام يحضر ندوة قريش في صدر حياته ، وكان مع هدوء طبعه ، واطمئنان نفسه يلفت الأنظار ، وتتطلع إليه الأبصار . يروى أنه كما جاء في كتاب « زهر الآداب » حضر الندوة قيل من أقيال اليمن ، فرأى الرسول ، كلما عرض ما يراه خيرا اطمأن إلى القول اطمئنان المؤمن ، وإذا كان ما يرى فيه غير الخير أحد البصر ، في

--> ( 1 ) سور قريش : 1 - 4 .